تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
المشوبة لا اعتداد بها ولا يرضاها جماد لو نطق ، وإن من استحق العبادة استحق الإخلاص فيها وأن لا يشرك به أحد وأنه لا يستحق ذلك إلّا القادر على كشف الكرب والمنع من أن يقطع بينه وبين متوليه وعابده قاطع ؛ ولما كانت فائدة الشاهد ضبط ما قد ينساه المتشاهدان ، عللوا اكتفاءهم بشهادة اللّه بقولهم :
إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ
في تلك الأزمان
لَغافِلِينَ
فأقروا لهم بما هو الحق مما كان يعلمه كل من له تأمل صحيح أنهم لم يشعروا بعبادتهم ساعة من الدهر قبل ساعتهم هذه ، فهم أجدر الخلق بالاكتفاء بشهادة الشهيد لأنهم أسوأ حالا ممن يعلم المشهود به ويخشى النسيان ، أو يقال : فقال المشركون لشركائهم : إنا كنا نعبدكم فهل أنتم ناصرونا أو شافعون لنا فنجونا مما وقعنا فيه
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا
وحدنا
تَعْبُدُونَ
أي ما كنتم تخلصون لنا العبادة حتى يلزمنا أن نخلصكم كما أعلمنا بذلك اللّه ربنا وربكم المحيط بكل شيء علما
فَكَفى
أي فتسبب عن ذلك أنه كفى
بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
في ذلك ، فكأن المشركين قالوا : قد تضمن كلامكم أنا عبدناكم على غير منهج الإخلاص ، أفليس قد عبدناكم ؟ أفلا تغنون عنا شيئا ؟ فأجاب الشركاء بقولهم :
إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ
خالصة كانت أو مشوبة
لَغافِلِينَ
فلا نقر لكم بعبادة أصلا وإن تيقنا الإخلاص لسلب العلم عنا بما كنا فيه من الجمادية فضلا عن أن نأمركم أو نرضى بعبادتكم على أنه لا غناء عندنا على تقدير من التقادير ؛ أو يقال - وهو أحسن مما مضى - :
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ
لما تحققوا العذاب طلبا لأن يخفف عنهم منه بتوزيعه عليهم وعلى كل من عبدوه من غيرهم
ما كُنْتُمْ
أيها العابدون لنا
إِيَّانا
أي خاصة
تَعْبُدُونَ
بل كنتم تعبدون أيضا غيرنا ، وهذا يعم واللّه كل من يرائيه غيره بعمل وهو يعلم أنه يرائيه فيقره ولا ينكره عليه ؛ ولما أفهموا بنفي العبادة بقيد الخصوص أنهم كانوا يعبدون معهم غيرهم ، وكان المخلوق قاصر العلم غير محيطه بوجه بأحوال نفسه فكيف بأحوال غيره ، سببوا عن ذلك قولهم :
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ
أي في أنا
كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ
أي في الجملة
لَغافِلِينَ
والحاصل أن هذا ترجمة كلام الكفار وهو ناشىء منهم عن محض غلبة ودهش وفرط غم وندم وقلق ، فلا يشترط أن يكون معناه على الوجه الأسدّ والطريق الأبلغ ، فالإعجاز في نظمه ، ومرادهم به أن يخفف عنهم من العذاب ولو بمشاركة من كانوا يعبدونهم معهم ، فهو من وادي قوله تعالى
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
[ إبراهيم : 21 ] ،
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ
[ غافر : 47 ]
فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ
[ الأعراف : 38 ] ونحوه
فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ
[ الأعراف : 39 ] - واللّه أعلم .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 437 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي