تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
و لما بين حال الفضل فيمن أحسن ، بين حال العدل فيمن أساء فقال :
وَالَّذِينَ كَسَبُوا
أي منهم
السَّيِّئاتِ
أي المحيطة بهم
جَزاءُ سَيِّئَةٍ
أي منهم
بِمِثْلِها
بعدل اللّه من غير زيادة
وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
أي من جملة جزائهم ، فكأنه قيل : أما لهم انفكاك عن ذلك ؟ فقيل جوابا :
ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
أي الملك الأعظم ؛ وأغرق في النفي فقال :
مِنْ عاصِمٍ
أي يمنعهم من شيء يريده بهم . ولما كان من المعلوم أن ذلك مغير لأحوالهم ، وصل به قوله :
كَأَنَّما
ولما كان المكروه مطلق كونها بالمنظر السئ ، بني للمفعول قوله :
أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ
أي أغشاها مغش لشدة سوادها لما هي فيه من السوء
قِطَعاً
ولما كان القطع بوزن عنب مشتركا بين ظلمة آخر الليل وجمع القطعة من الشيء . بين وأكد فقال :
مِنَ اللَّيْلِ
أي هذا الجنس حال كونه
مُظْلِماً
ولما كان ذلك ظاهرا في أنهم أهل الشقاوة ، وصل به قوله :
أُولئِكَ
أي البعداء البغضاء
أَصْحابُ النَّارِ
ولما كانت الصحبة الملازمة ، بينها بقوله :
هُمْ فِيها
أي خاصة
خالِدُونَ
أي لا يمكنون من مفارقتها ؛ والرهق : لحاق الأمر ، ومنه : راهق الغلام - إذا لحق حال الرجال ؛ والقتر : الغبار ، ومنه الإقتار في الإنفاق لقلته ؛ والذلة : صغر النفس بالإهانة ؛ والكسب : الفعل لاجتلاب النفع إلى النفس أو استدفاع الضر . ولما بين سبحانه مآل الفريقين ، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع أحد من غير إذنه بقوله :
وَيَوْمَ
أي وفرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم
نَحْشُرُهُمْ
أي الفريقين : الناجين والهالكين العابدين منهم والمعبودين حال كونهم
جَمِيعاً
ثم يقطع ما بين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة ، بل يظهرون الخصومة ويبارزون بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[ يونس : 4 ] وإلى قوله
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
[ يونس : 18 ] والحشر : الجمع بكره من كل جانب إلى موقف واحد ؛ وأشار سبحانه إلى طول وقوفهم بقوله :
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا
أي بنا من لم يشارك في خلقهم ؛ وقوله :
مَكانَكُمْ
نقل أبو حيان عن النحويين أنهم جعلوه اسما لأثبتوا ، ورد على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد ويجب أن يساوي بين الاسم والمسمى في التعدي واللزوم ، أي نقول لهم : قفوا وقوف الذل
أَنْتُمْ وَ
شركاؤهم حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهارا لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيرا لهم ، فلا يمكنهم مخالفة ذلك . ولما كان التقدير : فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة ، عطف عليه مسببا عنه
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 435 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي