ولما قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات ، وبين أن الدار التي رضوا بها واطمأنوا إليها دار المصائب ومعدن الهلكات والمعاطب وأنها ظل زائل تحذيرا منها وتنفيرا عنها ، بين تعالى أن الدار التي دعا إليها سالمة من كل نصب وهم ووصب ، ثابتة بلا زوال ، فقال تعالى عاطفا على قوله
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
ترغيبا في الآخرة وحثا عليها :
وَاللَّهُ
أي الذي له الجلال والإكرام
يَدْعُوا
أي يعلق دعاءه على سبيل التجدد والاستمرار بالمدعوين
إِلى دارِ السَّلامِ
عن قتادة أنه سبحانه أضافها إلى اسمه تعظيما لها وترغيبا فيها ، يعني بأنها لا عطب فيها أصلا ، والسلامة فيها دائمة ، والسّلام فيها فاش من بعضهم على بعض ومن الملائكة وغيرهم ؛ والدعاء : طلب الفعل بما يقع لأجله ، والدواعي إلى الفعل خلاف الصوارف عنه .
ولما أعلم - بالدعوة بالهداية بالبيان وأفهم ختم الآية بقوله :
وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
أي بما يخلق في قلبه من الهداية
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ *
أن من الناس من يهديه ومنهم من يضله . وأن الكل فاعلون لما يشاء - كان موضع أن يقال : هل هم واحد في جزائه كما هم واحد في الانقياد لمراده ؟
فقيل : لا ، بل هم فريقان :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
أي الأعمال في الدنيا منهم وهم من هداه
الْحُسْنى
أي الخصلة التي هي في غاية الحسن من الجزاء
وَزِيادَةٌ
أي عظيمة من فضل اللّه فالناس : مريد خرجت هدايته من الجهاد
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] ، ومراد خرجت هدايته من المشيئة ، فالدعوة إلى الجنة بالبيان عامة ، والهداية إلى الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم .
ولما كان النعيم لا يتم إلّا بالدوام بالأمن من المضار قال :
وَلا يَرْهَقُ
أي يغشى ويلحق
وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ
أي غبرة كغبرة الموت وكربة ، وهو تغير في الوجه معه سواد وعبوسة تركبهما غلبة
وَلا ذِلَّةٌ
أي كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان .
ولما كان هذا واضحا في أنهم أهل السعادة ، وصل به قوله :
أُولئِكَ
أي العالو الرتبة
أَصْحابُ الْجَنَّةِ
ولما كانت الصحبة جديرة بالملازمة ، صرح بها في قوله :
هُمْ
أي لا غيرهم
فِيها
أي خاصة
خالِدُونَ
أي مقيمون لا يبرحون ، لأنهم لا يريدون ذلك لطيبها ولا يراد بهم .