تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
ولما كان ذلك كله من أعجب العجب ، كانت فذلكته قطعا تعليلا لما قبله من إعراضهم عما لا ينبغي الإعراض عنه دليلا على أن الأمر ليس إلا بيد منزله سبحانه قوله :
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
أي الذي له جميع العظمة
فَلا هادِيَ
أصلا
لَهُ
بوجه من الوجوه ؛ ولما دل بالإفراد على أن كل فرد في قبضته ، وكان التقدير : بل يستمر على ضلاله ، عطف عليه بضمير الجمع دلالة على أن جمعهم لا يغني من اللّه شيئا فقال :
وَيَذَرُهُمْ
أي يتركهم على حالة قبيحة ، وعبر بالظرف إشارة إلى إحاطة حكمه بهم فقال :
فِي طُغْيانِهِمْ
أي تجاوزهم للحدود حال كونهم
يَعْمَهُونَ
أي يتحيرون ويترددون في الضلال لا يعرفون طريقا ولا يفهمون حجة . ولما بين التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، أتبعه المعاد لتكمل المطالب الأربعة التي هي أمهات مطالب القرآن ، مبينا ما اشتمل عليه هذا الكلام من تبلدهم في العمة وتلددهم في إشراك الشبه بقوله :
يَسْئَلُونَكَ
أي مكررين لذلك
عَنِ السَّاعَةِ
أي عن وقتها سؤال استهزاء
أَيَّانَ مُرْساها
أي أيّ وقت ثبات ثقلها واستقراره ، والمرسى يكون مصدرا وزمانا ومكانا ، من رست السفينة - إذا ثبتت بالحديدة المتشعبة ، وإنما كان هذا بيانا لعمههم فإنهم وقعوا بذلك في الضلال من وجهين : السؤال عما غيره لهم أهم ، وجعله على طريق الاستهزاء مع ما قام عليه من الأدلة ، وسيكرره في هذه السورة ، وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل السؤال عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة . ولما كان السؤال عن الساعة عاما ثم خاصا بالسؤال عن وقتها ، جاء الجواب عموما عنها بقوله :
قُلْ إِنَّما عِلْمُها
أي علم وقت إرسائها وغيره
عِنْدَ رَبِّي
أي المحسن إليّ بإقامتها لينعم على من تبعني وينتقم ممن تركني ، لم يطلع على ذلك أحدا من خلقه ، ولا يقيمها إلا في أحسن الأوقات وأنفعها لي ، وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب ، فيكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية وأقرب إلى التوبة ، ثم خصصت من حيث الوقت بقوله مشيرا إلى أن لها أشراطا تتقدمها :
لا يُجَلِّيها
أي يبينها غاية البيان
لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ .
ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإرساء ، وكان الشيء إذا جهل من بعض الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل ، قال :
ثَقُلَتْ
أي الساعة فغاصت إلى حيث لم يتغلغل إليها علم العباد فأهمهم كلهم عليّ شأنها ، ولذلك عبر بالظرف فقال :
فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي نسبة أهلهما إلى خفائها والخوف منها على حد سواء لأن مالكها قادر على ما يشاء ، وله أن يفعل ما يشاء - ثم قرر خفاءها على الكل فقال :
لا تَأْتِيكُمْ
أي في حالة من الحالات
إِلَّا بَغْتَةً
أي على حين غفلة .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 165 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي