العجل ، ومع ذلك وقع منهم العصيان بطلب ما لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه التعنت ، فقال :
وَاخْتارَ
أي اجتهد في أخذ الخيار
مُوسى قَوْمَهُ
ثم أبدل منهم قوله :
سَبْعِينَ رَجُلًا
إشارة إلى أن من عداهم عدم ، لا يطلق عليهم اسم القوم في المعنى الذي أراده ، وهو نحو ما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي اللّه عنهما « الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة » « 1 » ثم ذكر علة الاختيار فقال :
لِمِيقاتِنا
أي فما أختار إلا من رأى أنه يصلح لما نريد من عظمتنا في الوقت الذي حددناه له ، ودنا بهم من الحضرة الخطابية في الجبل هو وهارون عليهما السّلام ، واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون عليه السّلام ، كل ذلك عن أمر اللّه له ، وفي هذا الكلام عطف على قوله
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً
[ الأعراف : 142 ] فيكون الميقات هو الأول وهو ظاهر التوراة كما مر بيانه في البقرة ، ويجوز أن يكون عطفا على قوله
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى
[ الأعراف : 148 ] أو على قوله
أَخَذَ الْأَلْواحَ
[ الأعراف :
154 ] وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول ، ويؤيده ما نقل من أن هارون عليه السّلام كان معهم ، وكأنهم لما سمعوا كلام اللّه طلب بعضهم الرؤية جاعليها شرطا لإيمانهم فقالوا
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
[ البقرة : 55 ] كما فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال الجبارين فنقض أكثرهم ، فأخذتهم الرجفة فماتوا ، فخشي موسى عليه السّلام أن يتهمه بنو إسرائيل في موتهم كنفس واحدة
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ
أي أخذ قهر وغلبة
الرَّجْفَةُ
أي التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة ، فزلزلت قلوبهم فأماتتهم ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ
[ النساء : 153 ] وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء ، فالظاهر أن سبب الرجفة ما رأوا عند سماع الكلام من جلال اللّه وعظيم هيبته من الغمام الذي تغشى الجبل والقتار والبروق وأصوات القرون وغير ذلك بحيث كادت الرجفة - وهي رعدة - تفرق أوصالهم بعضها من بعض
قالَ
أي موسى تملقا لربه سبحانه
رَبِّ
أي أيها المحسن إليّ
لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ
أي أمتّهم .
ولما لم يكن إهلاكهم مستغرقا للماضي ، أدخل الجار فقال :
مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ
أي قدرتك عليّ وعليهم قبل أن نقترب من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة قومنا كقدرتك علينا حين تشرفنا بها ، وقد أسبلت علينا ذيل عفوك وأسبغت علينا نعمتك
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 6498 ومسلم 2547 والترمذي 3032 وابن ماجة 3390 والبيهقي في الزهد ص 48 وعبد الرزاق 20447 وأبو نعيم في الحلية 9 / 3 و 231 وأحمد 2 / 109 من حديث ابن عمر .
- وأخرجه أبو نعيم في الحلية 7 / 141 من حديث أبي هريرة .