تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وصحت براءة أخيه وبقاؤه على رتبته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد في أمر اللّه ، زال موجب الغضب فأخبر سبحانه عما يعقبه فقال :
وَلَمَّا سَكَتَ
أي كف ، شبه الغضب بمتكلم كان يحث موسى عليه السّلام ويغريه على ما يوجبه ويقتضيه ، فلما شفى غيظه سكن وقطع كلامه فخلفه ضده وهو الرضى
عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
وهو غليان القلب بما يتأذى به النفس
أَخَذَ الْأَلْواحَ
أي التي جاء بها من عند اللّه بعدما ألقاها
وَفِي
أي والحال أنه في
نُسْخَتِها
أي الأمر المكتوب فيها ، فعلة بمعنى مفعولة ، وعن ابن عباس أنه لما ألقاها صام - مثل ما كان صام للمناجاة - أربعين يوما أخرى ، فردت عليه في لوحين مكان ما تكسر .
هُدىً
أي شيء موضح للمقاصد
وَرَحْمَةٌ
أي سبب للإكرام
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ
أي لا لغيره
يَرْهَبُونَ *
أي هم أهل لأن يخافوا خوفا عظيما مقطعا للقلوب موجبا للهرب ويستمرون على ذلك . شرح ما في هذه الآيات من عند قوله
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ
من البدائع من التوراة - قال المترجم في السفر الخامس منها بعد أن بكتهم ببعض ما فعلوه مما أوجب لهم الغضب والعقوبة بالتيه وحثهم على لزوم أمر اللّه لينصرهم : وأما الوصايا التي آمركم بها اليوم فاحفظوها واعملوا بها لتحيوا وتكثروا وترثوا الأرض التي أقسم اللّه لآبائكم فتذكروا كل الطريق الذي سيركم اللّه ربكم فيه ، ودبركم منذ أربعين سنة في البرية ليواضعكم ويجربكم وليعلم ما في قلوبكم هل تحفظون وصاياه أم لا ، فواضعكم وأجاعكم وأطعمكم منّا لم تعرفوه أنتم ولا آباؤكم ليبين لكم أنه ليس إنما يعيش الإنسان بالخبز فقط ، بل إنما يعيش بما يخرج من فم اللّه ، ولم تبل ثيابكم ولم تجف أقدامكم منذ أربعين سنة ، احفظوا وصايا اللّه ربكم وسيروا في طرقه واتقوه ، لأن اللّه ربكم هو الذي يدخلكم إلى الأرض المخصبة ، أرض كثيرة الأودية والينابيع والعيون التي تجري في الصحارى والجبال ، أرض الحنطة والشعير ، فيها الكروم والتين والرمان والزيتون والدهن والعسل ، أرض لا تحتاجون فيها ولا تأكلون خبزكم بالفقر ، ولا يعوزكم فيها شيء ، أرض حجارتها حديد تستخرجون النحاس من جبالها ، فاحتفظوا ، لا تنسوا اللّه ربكم ، واحفظوا وصاياه وشرائعه التي آمركم بها اليوم ، لا تبطروا ، فإذا أكلتم وشبعتم وبنيتم بيوتا وسكنتموها وكثر غنمكم وبقركم وكثرت أموالكم فتعظم قلوبكم وتنسوا اللّه ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وأنقذكم من العبودية ودبركم في البرية المرهوبة العظيمة حيث الحيات الحردات والعقارب وفي مواضع العطش وحيث لم يكن لكم ماء ، أخرج لكم من ماء الظران ، وأطعمكم منّا لم يعرفه آباؤكم ليواضعكم ويجربكم ويحسن إليكم آخر ذلك ، وانظروا ، لا تقولوا في قلوبكم إنا إنما استفدنا هذه الأموال