لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية والدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق ، فمن أراد الهداية هداه بدقيق أسراره ، ومن أعرض أوقعه في الردى ، وعمي حتى عن واضح أنواره ، والآية كما قال تعالى
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إلى أن قال :
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
-
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ البقرة : 164 ] .
وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد
أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم عن إرسال الرسل فضلا عن أن تتوقفوا بعد إرسالهم ولا ترضوا منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه .
ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين من أحوال الحياة وغيرها ، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال :
ثُمَّ
أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ
إِلى رَبِّهِمْ
أي خاصة ، وبني للمفعول على طريق كلام القادرين قوله :
يُحْشَرُونَ *
أي يجمعون كرها بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم ، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه ، كل ذلك عليه هيّن
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان :
28 ] والكل محفوظون في كتاب مبين على اختلاف أنواعهم وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه نحوهم العد - سبحان من أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، إن ذلك على اللّه يسير ، وهو على كل شيء قدير .
ولما كان التقدير بعد التذكير بهذه الآية التي تنوعت فيها الآيات وتكررت وتكثرت فيها الدلالات : فالذين آمنوا أحياء سامعون لأقوالنا ، ناطقون بمحامدنا راؤون لأفعالنا ، عطف عليه قوله :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا
أي أوقعوا التكذيب
بِآياتِنا
أي على ما لها من العظمة المقتضية لإضافتها إلينا ، مرئية كانت أو مسموعة ، تكذيبا متكررا على عدد الآيات بالفعل أو بالقوة ولو بالإعراض عنها
صُمٌّ
أي أموات فهم لا يسمعون
وَبُكْمٌ
لا ينطقون
فِي الظُّلُماتِ
أي عمي لا يبصرون ، فلذلك لا يزالون خابطين خبط العشواء ساعين غاية السعي إلى الردى ، لأن ذلك شأن من في الظلمة ، فكيف بمن هو في جميع الظلمات ! ولعله جمعها إشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا ببصيرة ، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بحياتهم ولا بأسماعهم ولا نطقهم ولا أبصارهم ولا عقولهم كان كل ذلك منهم عدما .
ولما بين أن الأصم الأبكم الأعمى لا تمكن هدايته ، بين أن ذلك إنما هو بالنسبة لغيره سبحانه فطما عن طلب إجابتهم إلى ما يقترحون من الآيات وأما هو سبحانه ففعال لما يريد ، فقال في جواب من كأنه قال : إنما تمكن هدايتهم :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ
أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه إضلاله
يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ
هدايته