تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 632

مساهمون:

ص٦٣٢
ولما عجب منهم في قولهم هذا الذي يقتضي أنهم لم يروا له آية قط بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار ، ورد إلى الصم الأسماع ، وأنار من العمى الأبصار ؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم ، رتبها سبحانه قبل سؤالهم تفضلا منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر ، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم في جميع ما يراد منهم فقال تعالى :
وَما
أي قالوا ذلك والحال أنه ما ، وهي ناظرة أتم نظر إلى قوله
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
[ الأنعام : 2 ] أي فعل ذلك بكم وما
مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ
وقرر الحقيقة بقوله :
بِجَناحَيْهِ
وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر ، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيبا أو طيرانا مجازا . ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال :
إِلَّا أُمَمٌ
أي يقصد كل منها في نفسه ، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله
أَمْثالُكُمْ
أي في ذلك وفي أنا خلقناهم ولم يكونوا شيئا وحفظنا جميع أحوالهم ، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم ، وجعلنا لكم فيهم أحكاما جددناها لكم ، وجعلنا لكل منهم أجلا للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة ، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم ، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة ، وجعلنا في هذه الحيوانات ما هو أقوى منكم وما هو أضعف ، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل ، ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل ، وربما سلطنا الأضعف عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم ، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقا - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم ومنعكم القرار وأخرجكم عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعا هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول وتقف دونها نوافذ الفكر ، وهذا كله معنى قوله :
ما فَرَّطْنا
أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل
فِي الْكِتابِ
أي اللوح المحفوظ والقرآن ، وأعرق في النفي بقوله :
مِنْ شَيْءٍ
أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط ، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت ، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره آخر النهار على ما كان مثبتا في أم الكتاب فيجدونه كما هو ، لا يزيد شيئا ولا ينقص ، فيزدادون إيمانا ، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور ، فهو تبيان
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 632 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي