تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
أي من غير خيانة ما ، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره ، والأمانة : كل ما وجب لغيرك عليك . ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه ، أمر بما يحق له في معاملة غيره ، وحقق لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفا شيئين على شيئين :
وَإِذا حَكَمْتُمْ
وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله :
بَيْنَ النَّاسِ
وبين المأمور به بقوله :
أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له ، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل ، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل » « 1 » الحديث . ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
معبرا أيضا بالاسم الأعظم
نِعِمَّا
أي نعم شيئا عظيما
يَعِظُكُمْ بِهِ
وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
مكررا لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم . ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال :
كانَ
أي ولم يزل ولا يزال
سَمِيعاً
أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جوابا لأمره وغيره ذلك
بَصِيراً *
أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره . ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه ، ورهب من تركه ؛ أمر بطاعة المتنصبين لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي أقروا بالإيمان ، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال :
أَطِيعُوا
أي بموافقة الأمر تصديقا لدعواكم الإيمان
اللَّهَ
أي فيما أمركم به في كتابه مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى ، وعظم رتبة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بإعادة العامل فقال :
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
فيما حده لكم في سنته عن اللّه وبينه من كتابه لأن منصب الرسالة متقتض لذلك ، ولهذا عبر به دون النبي
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
أي الحكام ، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية - كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل - من طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وطاعته من طاعة اللّه عز وجل ؛ والعلماء من أولي الأمر أيضا ، وهم العاملون فإنهم يأمرون بأمر اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 660 و 1423 و 6479 ومسلم 1031 والترمذي بإثر حديث 2391 والنسائي 8 / 222 - 223 وابن خزيمة 358 وابن حبان 4486 والبيهقي 4 / 190 و 8 / 162 والطيالسي 2462 وأحمد 2 / 439 كلهم من حديث أبي هريرة . - وورد في حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم 1031 والترمذي 2391 والبغوي 470 وابن حبان 7338 ومالك 2 / 952 .