يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة ، وفي الاقتصار على بيانه نمط من فصاحة الخطاب العربي حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين اكتفاء بأحدهما عن الآخر ، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام حيث لم يقل : من الليل ، كما قال : من الفجر ، اكتفاء بما في الفهم من الذكر ، وفي وقوع المبين إثر غير مثله نمط آخر من فصاحة الخطاب العربي لأن العرب يردون الثالث إلى الأول لا إلى الثاني ليتعلق بالأول في المعنى وينتظم بالثاني في اللفظ فيكون محرز المحل المفهوم راجعا إلى الأول بالمعنى - انتهى . وأوضح دليل على إيجاب التبييت أمره بالإتمام ، فإنه لما وقع الشروع فيه فالتقدير : فإذا تبين الفجر الذي أمرتم بمراقبته لكونه غاية لما أحل لكم فصوموا أي أمسكوا عن المفطر
ثُمَّ أَتِمُّوا
ذلك
الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
والتعبير بثم إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي أحل فيه المفطر . وقال الحرالي : فكان صوم النهار إتماما لبدء من صوم ليلة فكأنه في الليل صوم ليس بتام لانثلامه للحس وإن كان في المعنى صوما ، ومن معناه رأى بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما وهو في النهار تمام بالمعنى والحس ، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهارا واعتد به ليلا وجرى فيه الأكل والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان الأكل فيه أكلا في وقت انتشار الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب ، ولأن الليل سبات ووقت توف وانطماس ، فبدأ فيه من أمر اللّه ما انحجب ظهوره في النهار ، كأن المطعم بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه « ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا » « 1 » فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه اللّه وسقاه ، فلم يقدح ذلك في معنى صومه وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - انتهى .
ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد مظنة للاعتكاف وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع الأماكن
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 1145 و 6321 و 7494 ومسلم 758 وأبو داود 1315 والترمذي 446 والنسائي في اليوم والليلة 483 ومالك 1 / 214 وأحمد 2 / 487 وابن أبي عاصم في السنة 492 وابن خزيمة في التوحيد ص 130 وابن ماجة 1366 وابن حبان 919 و 920 و 921 والدارمي 1 / 347 من عدة طرق كلهم من حديث أبي هريرة وتمامه : « حين يبقى ثلث الليل الآخر . فيقول : من يدعوني ، فأستجيب له ؟ من يسألني ، فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له » هذا لفظ مالك والبخاري في رواية .
قلت : وهذه الأحاديث كان السلف يؤمنون بها فيثبتوها ويمرّوها من غير كيف ، والميزان في هذا وأمثال ( ليس كمثله شيء ) . واللّه الموفق .