تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
إهانتهم ولين ما غلظ من أكبادهم ورؤية ما لا يستحق غيره بالنسبة إليه يسمى عذابا
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ
الذي له مجامع الكمال
جَمِيعاً
حين يشاهدون العذاب قد أحاط بهم
وَأَنَّ اللَّهَ
الذي لا ملك سواه
شَدِيدُ الْعَذابِ
لم يتخذوا أندادا ولم يعدلوا باللّه أحدا ، أو يكون التقدير : ولو ترى بالتاء والياء ، أي لو أبصرت أو أبصر الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد - إلى آخره . وقال الحرالي : قال تعالى :
وَلَوْ يَرَى
عطفا على متجاوز أمور من أمور جزائهم مما نالهم من عقوبات أثر كفرهم في الدنيا ، قال عليه الصلاة والسّلام : « إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء » « 1 » إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب ، وفي قوله « ترى » بالتاء إقبالا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه ، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته التي هي أتم الرؤية ، وفي قوله
يَرَى
بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب مما كان يزجرهم عما هم عليه لو رأوه - انتهى .
إِذْ يَرَوْنَ
أي الوقت الذي يبصرون فيه العذاب ، أي الأكبر الذي لا عذاب مثله ؛ كما أفهمه تعريفه بأل ، ثم بينه بقوله
أَنَّ الْقُوَّةَ
وهي منّة الباطن التي يجدها المقتدر منشأ لما يبديه ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة القوة جمعها وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل إنشائها للّه جميعا ، فإنه لا شيء أشق على الإنسان من أن يرى خصمه نافذ الأمر منفردا بالعز في كل معنى لا سيما إذا كان جبارا متكبرا شديد البطش ممن عصاه ، كما يشير إليه قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
ولا سيما إذا كان العاصي له قد أساء إليه بالإساءة إلى أوليائه وبالغ حتى لم يدع للصلح موضعا . وقال الحرالي : موضع الرؤية في الحقيقة هو أن القوة للّه جميعا سلبا عن جميع أندادهم الذين أحبوهم وعن أنفسهم ، كما قال قائلهم
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ
[ النمل : 33 ] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة للّه جميعا ، وفي
أَنَّ الْقُوَّةَ
إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي
هامش
( 1 ) جيد . أخرجه الترمذي 3334 والنسائي في الكبرى 10251 ، 11658 وفي عمل اليوم والليلة 418 وابن ماجة 4244 والطبري 30 / 98 والحاكم 2 / 517 وابن حبان 930 ، 2787 والبيهقي في الشعب 7203 كلهم من حديث أبي هريرة ولفظه : « إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا هو نزع ، واستغفر ، وتاب صقل قلبه ، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه ، وهو الران الذي ذكر اللّهكَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَورواية « إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه » . قال الترمذي : حسن صحيح . وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي . وهو كما قالوا رجاله كلهم ثقات .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 301 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي