علو اللّه على سمائه العلى في الحس وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان ؛ فلجملة ذلك جعل تعالى صنوف هذه الاعتبارات
لَآياتٍ لِقَوْمٍ
وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام ، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا ، لأن العرب عرفت استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة حتى يقولون : قوم أو نساء . تقابلا بين المعنيين ؛ وذكر تعالى العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم التي كتبها بيده وأغنى الأميين بقراءة ما كتب لهم عن قراءة كتاب ما كتبه الخلق - انتهى ؛ فقال :
يَعْقِلُونَ *
أي فيعلمون أن مصرف هذه الأمور على هذه الكيفيات المختلفة والوجوه المحكمة فاعل مختار وهو قادر بما يشاهد من إحياء الأرض وغيرها مما هو أكبر منه على بعث الموتى وغيره مما يريده وأنه مع ذلك كله واحد لا شريك له يمانعه العقلاء من الناس ، يعلمون ذلك بذلك فلا يتخذون أندادا من دونه ولا يميلون عن جنابه الأعلى إلى سواه ، وقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقل البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن الحليمي أنه مما يجب اعتقاده في اللّه سبحانه وتعالى وهو خمسة أشياء :
الأول إثباته سبحانه وتعالى لتقع به مفارقة التعطيل ، والثاني وحدانيته لتقع به البراءة عن الشرك - وهذان من قوله
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
[ البقرة : 163 ] والثالث إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه وهذا من قوله
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ البقرة : 163 ] لأن من لا يسد غيره مسده لا شبيه له ، والرابع إثبات أن وجود كل ما سواه كان بإبداعه له واختراعه إياه لتقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول وهذا من قوله
الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
[ البقرة : 163 ]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : 164 ] ، والخامس أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء لتقع به البراءة من قوله القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة وهذا من قوله
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
[ البقرة : 164 ] إلى آخرها قال البيهقي : كان أسماء اللّه سبحانه وتعالى جده التي ورد بها الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها منقسمة بين العقائد الخمس ، فليلحق بكل واحدة منهن بعضها ، وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في بابين أو أكثر - انتهى . وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة ، فجعل سبحانه وتعالى العالم وهو الممكنات الموجودة وهي جملة ما سواه الدالة على وجوده وفعله بالاختيار على قسمين : قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى في عرف أهل الشرع الشهادة والخلق والملك ، وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى الغيب والأمر