تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
الرخاء حجرا أحسن تركوا الأول وعبدوه ، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي . وقال الحرالي : ولما استحق القوم القائمون في أمر اللّه سبحانه وتعالى هذا الاعتبار بما آتاهم اللّه من العقل لم يكن من اتخذ من دون اللّه أندادا مما يقال فيهم : قوم ، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدّد فكأنه سبحانه وتعالى عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البيّنة آثاره ، فأنبأ أن طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع الإقدام ، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حبا كأنه وصلة بين بواطنهم وقلوبهم وما اتخذوه من دون اللّه أندادا ، ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة ، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل ، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ ندا من دون اللّه فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون اللّه ، فمن عبد حجرا فقلبه في القلوب حجر ومن عبد نباتا فقلبه في القلوب نبات ، وكذا من عبد دابة
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
[ البقرة : 93 ] كذلك إلى ما يقع معبودا من دون اللّه مما بين أعلى النيرين الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضا من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة ، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده ، فكأن عابد الشمس قلبه سعير وعابد النار قلبه نار وعابد القمر قلبه زمهرير ، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الفرقان : 43 ] فمن عبد اللّه فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات فعادل سبحانه وتعالى خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص باللّه من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة للأولياء ، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية ، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب اللّه لأن المتعبد مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب ، والمجيب للأمر مطيع ، فالمحب أعلى في الطرفين - انتهى . ولما عجب من حالهم حذر من سوء منقلبهم ومآلهم فقال :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي ولو يرون أي المتخذون للأنداد ولكنه أظهر لأجل التعميم الوصف الذي استحقوا به ما يذكر ، وهو وضعهم الشيء في غير محله كفعل من يمشي في مأخذ الاشتقاق وهو الظلمة ، وذلك هنا تسويتهم ممن لا يملك شيئا أصلا بمن يملك كل شيء
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
أي يتخذون أندادا والحال أنهم لو يعلمون حين