ولا تؤذوا الأرامل والأيتام ، فإن آذيتموهم فصلوا بين يدي أسمع صلاتهم وأستجيب لهم فيشتد غضبي وأقتلكم في الحرب وتكون نساؤكم أرامل وبنوكم يصيرون يتامى ، وإن أسلفت رزقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم ، ولا تأخذن منه ربا ؛ ثم قال : ولا تقبلن الرشوة ، فإن الرشوة تعمي أبصار الحكماء في القضاء وترد فلج الصالحين .
ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه من العهد ، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ
يا بني إسرائيل
لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
أي لا يسفك بعضكم دماء بعض
وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ
بإخراج بعضكم لبعض لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس الواحدة
مِنْ دِيارِكُمْ ،
قال الحرالي : وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظا لما تحويه من أموالها - انتهى .
ولما كانوا قد نكصوا عند حقوق الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير حتى خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله :
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ
أي بذلك كله بعد ليّ وتوقف ، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي :
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك ، وقد مضى مما يصدق هذا عن التوراة آنفا ما فيه كفاية للموفق ، وسيأتي في المائدة بقيته ، إن شاء اللّه تعالى . ولما كان هذا بما أكد به من ذكر الميثاق في مظهر العظمة وإضافة الجناية إلى نفس الجاني جديرا بالبعد منه أشار إلى ذلك بقوله :
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ
الحقيرون المقدور عليهم المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به ، أو الموجودون الآن ؛ ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال :
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
من غير التفات إلى هذا العهد الوثيق
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ
أي ناسا هم أشقّاء لكم فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج
مِنْ دِيارِهِمْ .
ولما كان من المستبعد جدا بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على طريق العدوان استأنف البيان لذلك بقوله :
تُظْهِرُونَ
أي تتعاونون ، من التظاهر ، وهو تكلف المظاهرة وهي تساند القوة كأنه استناد ظهر إلى ظهر - قاله الحرالي :
عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ
أي مصاحبين للإثم وهو أسوأ الاعتداء في قول أو فعل أو حال ، ويقال لكذوب : أثوم ، لاعتدائه بالقول على غيره ، والإثم الخمر لما يقع بها من العدواة والعدوي - قاله الحرالي :
وَالْعُدْوانِ
أي والامتلاء في مجاوزة الحدود
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ
أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم
أُسارى
جمع أسرى جمع أسير ، وأصله المشدود بالأسر ،