حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف
وَقُولُوا
عليه :
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
المنعم الأول الذي له الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك إحسانا هو الإحسان كله
وَ
أحسنوا أو تحسنون
بِالْوالِدَيْنِ
ولو كانا كافرين . قال الحرالي : تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى
إِحْساناً
عظيما لا يبلغ كنهه ، لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأول والمباشرين للتربية ، وغيّر السياق فلم يقل : ولا تحسنون إلا إلى الوالدين ، إفهاما لأن الإحسان إليهما يشركهما فيه من بعدهما ، لو جبر فوات هذا الحصر بتقديمهما إيذانا بالاهتمام
وَذِي الْقُرْبى
وهم المتوسلون بالوالدين لما لهم من أكيد الوصلة
وَالْيَتامى
لضعفهم ، واليتم قال الحرالي : فقد الأب حين الحاجة ، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ ، وفي البنت إلى الثيوبة لبقاء حاجتها بعد البلوغ ، والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - انتهى
الْمَساكِينِ
لكسرهم .
ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكنا أمر بجعل ذلك بالقول فقال عطفا على الخبر الذي معناه الإنشاء :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ
عامة
حُسْناً
أي حسنا بالتحريك وهو لغة فيه كالبخل والبخل ، وذلك بأن يأمروهم بما أمر اللّه به وينهوهم عما نهى عنه . ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت كلمتهم ذكر أعظم جامع على اللّه من الأعمال فقال :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه فقال :
وَآتُوا الزَّكاةَ
ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد فكيف إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من اللّه أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ
أي عن ذلك أو عن كثير منه ، وأشار بصيغة التفعل إلى أن الأمور الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج بين الفطرة الأولى والأمارة
إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ
أي والحال أنكم
مُعْرِضُونَ
عادتكم ذلك ، لم يكن ذلك منكم عن غير علم ، والإعراض صرف الشيء إلى العرض التي هي الناحية . قال السمين : وروى عن أبي عمرو وغيره : إلا قليل - بالرفع ، وفيه أقوال ، أصحها رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير - انتهى . ويأتي إن شاء اللّه تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله :
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
[ البقرة : 249 ] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة ، قال في السفر الثاني منها لما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال اللّه جميع هذه الآيات كلها : أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق ، لا تكون لك آلهة غيري ، لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض ، لا تسجدن لها ولا تعبدنها ، لأني أنا الرب ، إلهك إله غيور ، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة من أعدائي ، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي