تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
عَنْهُمُ الْعَذابُ
في واحدة من الدارين
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
وهو أيضا من أعظم الأدلة على خذلان من غزا لأجل المغنم أو غل ، وقد ورد في كثير من الأحاديث والآثار التصريح بذلك ، منها ما رواه مالك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى اللّه في قلوبهم الرعب » « 1 » وهو أيضا شرع قديم ففي سفر يوشع بن نون عليه الصلاة والسّلام أنه لما فتح مدينة أريحا بعد موت موسى عليه السّلام بعث إلى مدينة عاي ثلاث آلاف مقاتل ليفتحوها ، فقتل منهم أهل عاي جماعة وهزموهم ، فاضطربت قلوبهم وصارت كالماء ، فسجد يشوع على الأرض أمام تابوت الرب هو ومشيخة بني إسرائيل ، فقال له الرب : انهض قائما ، وأخبره أن قومه قد غلوا فلا يقدرون الآن أن يثبتوا لأعدائهم حتى ينحوا الحرام عنهم ، وقال اللّه له : وإذا كان غد فقدموا أسباطكم ليقترعوا ، والسبط الذي تصيبه قرعة الرب تتقدم عشائره ، والعشيرة التي تصيبها القرعة تتقدم بيوتاتها ، والبيت الذي يصيبه قرعة الرب ويصاب الحرام عنده يحرق بالنار هو وكل شيء له ، لأنه تعدى على أمر الرب ولأنه أثم بإسرائيل ؛ ففعل ما أمره الرب ، فأصابت القرعة عاجار بن كرمى من سبط يهودا ، فأحضره وبنيه وبناته ومواشيه وخيمته وكل من كان له ، فأصعدهم إلى غور عاجار ، ورجمهم جميع بني إسرائيل بالحجارة ، وأحرقوهم بالنار ، وجعلوا فوقه تلا من الحجارة الكبار إلى اليوم ، ولذلك دعي اسم ذلك الموضع غور عاجار إلى اليوم ، ثم أتوا من الغد إلى عاي فقتلوا جميع من فيها من بني آدم الذكور والإناث وأحرقوها . ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا الخلود في النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك هل هو جهل أو عناد فبشع سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال :
وَلَقَدْ
باللام التي هي توكيد لمضمون الكلام ، و « قد » هي لوقوع مرتقب مما كان خبرا أو مما سيكون علما - قاله الحرالي .
آتَيْنا
أي بعظمتنا
مُوسَى الْكِتابَ
أي نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب اللّه التوراة تدرسونه كل حين ، فلم ندعكم هملا بعد موسى عليه السّلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب
وَقَفَّيْنا
من التقفية وهي متابعة شيء شيئا كأنه يتلو قفاه ، وقفاء الصورة منها خلفها المقابل الموجه - قاله الحرالي :
مِنْ بَعْدِهِ
أي بعد موسى
بِالرُّسُلِ
أي ثم لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا من بعده إرسال الرسل مواترة ،
هامش
( 1 ) أخرجه مالك عن يحيى بن سعيد بلغه عن ابن عباس أنه قال . . فذكره موقوفا . قال ابن عبد البر : قد رويناه متصلا ومثله لا يقال بالرأي . وقال المنذري في ترغيبه 2 / 569 : رواه مالك موقوفا ، ورفعه الطبراني ، وغيره إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .