المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب أو اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد ، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه ، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر ، فكان فيها نقمة ورحمة ؛ وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين كان ينبع من بين أصابعه الماء « 1 » غنيا في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر ، وتمليك الماء من أعظم التمكين ، لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ومصور - انتهى . يعني أن هذه الخارقة دون ما نبع للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الماء من بين أصابعه « 2 » ، ودون ما نبع بوضع أصحابه سهما من سهامه في بئر الحديبية « 3 » وقد كانت لا ماء فيها ، ونحو ذلك كثير .
ولما كان السياق للامتنان وكان الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال زيادة على ما في الأعراف ممتنا عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على تقدير القول لأنه معلوم تقديره
كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ
أي الذي رزقكموه من له الكمال كله من غير كد « 4 » ولا نصب . قال الحرالي : لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جرى العادة حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ذكره لاسم اللّه الذي هو غيب
وَلا تَعْثَوْا
من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو والياء ، إن العثو إفساد أهل القوة بالسطوة والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى .
فِي الْأَرْضِ
أي عامة ، لأن من أفسد في شيء منها بالفعل فقد أفسد فيها كلها بالقوة . واتباع ما معناه الفساد قوله
مُفْسِدِينَ
دليل على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما يكون فسادا قاصدين به
هامش
( 1 ) يشير المصنف لحديث أنس بن مالك أنه قال : « رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بوضوء فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤوا منه قال : فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضؤوا من عند آخرهم » .
أخرجه البخاري 169 وأطرافه في 195 ، 200 ، 3572 و 3573 ، 3574 ، 3575 ومسلم 2279 والترمذي 3631 وأحمد 3 / 106 ، 132 ، 139 كلهم من حديث أنس .
وورد بنحوه من حديث ابن مسعود أخرجه البخاري 4152 الترمذي 3633 والطيالسي 1729 ومن حديث جابر أخرجه الدارمي 1 / 13 ، 14 .
( 2 ) هو المتقدم .
( 3 ) يشير المصنف لحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : « خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق . . . » وفيه : « وشكي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العطش ، فانتزع سهما من كنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ( أي في بئر الحديبية ) ، فو اللّه ما زال يجيش لهم بالرحى حتى صدروا عنه » .
وفي رواية : « فأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سهما من كنانته ، فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب في تلك القلب ، فغرزه فيه ، فجاش الماء بالرواء » . أخرجه البخاري 2731 ، 2732 وأحمد 3 / 323 .
( 4 ) الكد : الشدة في العمل وطلب الكسب .