تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
يذكر معها غيرها ، وقد لا يكون كذلك ، وقد يكون ذلك مع التبدل والاستبدال مصحوبا أحدهما بالباء ، وقد لا يكون كذلك ، وقد يذكران مع التبديل والإبدال ، وتارة تكون الباء داخلة على المتروك ، وتارة على المأخوذ ، وقد يعدي الفعل بنفسه إلى المفعولين ، وتارة يقتصر به على مفعول واحد ؛ ولبعض الاستعمالات معنى غير معنى الآخر وسيأتي تحريره إن شاء اللّه تعالى في سورة سبأ فكأنه قيل : فهل أجابهم إلى سؤالهم ؟ فقيل : نعم ، قال
اهْبِطُوا مِصْراً
أي من الأمصار ، قال الحرالي : المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا الذي يجمع هذه المطالب التي طلبوها لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا بعضها ، ومنه سميت مصر لجماع أمر ما في الدنيا فيها وغرابة سقياها ، وإن وافق ذلك ما يقال إنها سميت مصر باسم رجل فالوفاق في حكمه اللّه ، لأن كل دقيق وجليل فيها جار بعلم اللّه وحكمته حيث كانت من وراء حجاب يخفيها أو ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى .
فَإِنَّ لَكُمْ
أي فيه
ما سَأَلْتُمْ
وينقطع عنكم المن والسلوى ، والسؤال قال الحرالي طلب ما تدعو إليه الحاجة وتقع به الكفاية ، قال : وذكر تعالى أن مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته لا في المفاوز « 1 » التي تظهر فيها كلمته ، ولذلك كثيرا ما تنخرق العادة لأولياء هذه الأمة في المفاوز وقل ما تنخرق في الأمصار والقرى ، لما في هذه الآية مضمونة ، ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر ، لما يجدون في ذلك من روح رزق اللّه عن كلمته دون كلفة حكمته . ولما نظم سبحانه بنبأ موسى عليه السّلام ما كان من نبأهم مع يوشع عليه السّلام بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى عليه السّلام ما كان منهم بعد يوشع عليه السّلام إلى آخر اختلال أمرهم وانقلاب أحوالهم من حسن المظاهرة لنبيهم إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم عليهم السّلام ، وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا ورئاستها ومالها على الآخرة إيثارا للعاجلة على الآجلة ، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم ؛ ولذلك انتظم بها الآية الجامعة وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفا إن شاء اللّه تعالى - انتهى . ولما كان التقدير ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر فكان ما وعدوا به عطف عليه قوله
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
ملازمة لهم محيطة بهم من جميع الجوانب كما يحيط البيت المضروب على الإنسان به ، وهي اسم من الذل وهو صغار في النفس عن قهر وغلبة . قال الحرالي : وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة
هامش
( 1 ) المفازة : الفلاة لا ماء بها وهي في الأصل المهلكة إلا أن العرب تطلق عليها هذا اللفظ تفاؤلا بالنجاة .