ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث ولا معاملة مع خلق - انتهى .
ما رَزَقْناكُمْ
أي على عظمتنا التي لا تضاهى .
ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب . وقال الحرالي : ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه - انتهى . فقال
وَما
أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها وما
ظَلَمُونا
بشيء من ذلك
وَلكِنْ كانُوا
أي جبلة وطبعا
أَنْفُسَهُمْ
أي خاصة
يَظْلِمُونَ *
لأن ضرر ذلك مقصور عليهم . قال الحرالي : وفيه إشعار بتحذير هؤلاء أن يروا نحوا مما رأوا فينالهم نحو مما نالوه ، لأن قصص القرآن ليس مقصوده مقصورا على ذكر الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى .
ولما كان كل من ظل الغمام ولزوم طعام واحد غير مألوف لهم مع كونه نعمة دنيوية وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير بنعمة مألوفة من الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى مقرونة بنعمة دينية . وقال الحرالي : لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون عليهما السّلام حين دخولهم مع يوشع عليه السّلام وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى . فقال تعالى
وَإِذْ قُلْنَا
أي لكم
ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ
إشارة إلى نعمة النصر .
قال الحرالي : الدخول الولوج في الشيء بالكلية حسا بالجسم ومعنى بالنظر والرأي ، والقرية من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا لقرى أهل الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة ، لقرى أهل الآخرة ، قال عليه السّلام : « أمرت بقرية تأكل القرى » « 1 » باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها إليها ، وقد تناوبت الياء والهمزة
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 1871 ومسلم 1382 والنسائي في الكبرى 4261 ، 11399 والطحاوي في المشكل 2 / 332 ، 333 وعبد الرزاق 17165 والحميدي 1152 ومالك 2 / 887 وابن حبان 3723 وأبو يعلى 6374 وأحمد 2 / 247 ، 284 كلهم من حديث أبي هريرة .
ولفظ الحديث : « أمرت بقرية تأكل القرى يقولون : يثرب ، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد » قال ابن حبان : قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت بقرية تأكل القرى » لفظة تمثل مرادها : أن الإسلام يكون ابتداؤه من المدينة ، ثم يغلب على سائر القرى ، ويعلو على سائر الملل ، فكأنها قد أتت عليها لا أن المدينة تأكل القرى .