في المعنى نيل ، وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال ، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض ،
فَأَخَذَتْكُمُ
من الأخذ وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى . أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك الحرمة ،
الصَّاعِقَةُ
قيل : هي صيحة ، وقيل : نار نزلت من السماء فأحرقتهم ، ويؤيده قوله
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *
أي تلك الصاعقة فأماتتكم ، لأنكم كنتم في طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل ، فأماتكم كما أماتهم بالقتل .
ولما كان إحياؤهم من ذلك في الدار في غاية البعد وخرق العادة عبر عنه بأداة التراخي ومظهر العظمة فقال
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ
أي بما لنا من العظمة بالإحياء . قال الحرالي : من البعث وهو الاستثارة من غيب وخفاء ، أشده البعث من القبور ، ودونه البعث من النوم ؛ قال : وتجاوز الخطاب ما كان من سبب بعثهم ، وكذلك كل موضع يقع فيه ثم ، ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد كثير رتب العدد مفهوم لمن استوفى مقاصد ما وقعت كلمة ثم ، بينه من الكلامين المتعاطفين ؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى عليه السّلام ربه في بعثهم حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى .
ولما كان ربما ظن أن البعث من غشى ونحوه حقق معناه مبينا أنه لم يستغرق زمن البعد بقوله :
مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
أي هذا بتلك الصاعقة ، وقال دالّا على أن البعث إلى هذه الدار لا يقطع ما بنيت عليه من التكليف لأنها دار الأكدار « 1 » فلا بد من تصفية الأسرار فيها بالأعمال والأذكار
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي لتصير حالكم حال من يصح ترجي شكره لهذه النعمة العظيمة ، وكل ما جاء من لعل ، المعلل بها أفعال الرب تبارك وتعالى ينبغي أن تؤول بنحو هذا ، فإن لعل ، تقتضي الشك لأنها للطمع والإشفاق فيطمع في كون مدخولها ويشفق من أن لا يكون ، وتارة يكون الشك للمخاطب وتارة يكون للمتكلم ، ولو قيل : لتشكروا ، لم يكن هناك شك - قاله الرماني « 2 » في سورة يوسف عليه السّلام . وقال الحرالي : وفي لعل ، إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر ومنهم من لا يشكر - انتهى . وسيأتي في سورة طه إن شاء اللّه تعالى عن نص سيبويه في كتابه ما يؤيد ما ذكرته .
هامش
( 1 ) الكدر : ضد الصفو .
( 2 ) هو الإمام أبو الحسن علي بن عيسى النحوي من تصانيفه : « تفسير الرماني » توفي سنة : 384 .