تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة من الأمر والنهي ، ولما اقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماما اقتضى الإيمان بالغيب وتصديق الوعد والوعيد تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى بما ملك العبد من منقود متاع الدنيا ، فكل الحلال ما عدا الكفاف بالسنة متجر للعبد ، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه ، وإن استمتع به أفناه فندم عليه
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
[ التوبة : 69 ]
لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ *
[ المنافقون : 10 ]
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ] ذلك مال رابح ذلك مال رابح ، وكما أن حرف الحلال موسع ليحصل به الشكر فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال ليحصل به الصبر ليكون به العبد شاكرا صابرا ، فالذي يحصل به قراءة حرفي النهي أما من جهة القلب ورؤيا الفؤاد فمشاهدة البصيرة لموعود الجزاء حتى كأنه ينظر إليه لترتاح النفس بخيره وترتاع من شره ، كما قال حارثة « 1 » : « كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون » فأثمر له ذلك ما أحبر به عن نفسه في قوله : « وعزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها وخزفها » « 2 » وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرؤيا الصالحة والكشف الصادق ليدع الفاني للباقي على يقين ومشاهدة ، وأما من جهة حال النفس فالصبر بحبسها عما تشهيه طبعا مما هو محلل لها شرعا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر رضي اللّه عنه لما رثى لحاله : « أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ » « 3 »
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ،
هامش
( 1 ) هو الحارث بن مالك الأنصاري صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . روى حديثه ابن المبارك في الزهد عن صالح بن مسمار مرسلا ا ه . الإصابة . ( 2 ) ضعيف . أخرجه العقيلي في الضعفاء 4 / 455 عن يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس قال : بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يمشي إذا استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : يا رسول اللّه عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فقال : أبصرت فالزم ، عبد نور اللّه الإيمان في قلبه » . قال العقيلي : ليس لهذا إسناد يثبت ا ه . وذكره الذهبي في الميزان 4 / 469 في ترجمة يوسف بن عطية الصفار وقال : يوسف مجمع على ضعفه . وقال النسائي متروك . وقال الفلاس : ما علمته يكذب لكنه يهم وكناه البخاري أبا سهل ، وقال : منكر الحديث ا ه . وانظر الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 289 حيث ذكر علله ونقل عن البيهقي : لا يثبت موصولا . ( 3 ) حسن . أخرجه أحمد 3 / 139 ، 140 وأبو يعلى 2782 ، 2783 وابن حبان 6363 كلهم من حديث أنس وذكره الهيثمي في المجمع 10 / 326 وقال : رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة -
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 120 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي