وقال أبو حنيفة ، ومالك ، والثوري : يجوز على اختلاف بينهم ، فأبو حنيفة يقول : بما كان من جنس الأرض ، ويتولد من أجزائها كالنورة .
وقال الثوري وبعض أصحاب مالك : يجوز بما يصعد على الأرض كالحشيش ونحو ذلك ، وسبب الخلاف أن الصعيد لفظة مشتركة بين التراب وغيره ، فأبو حنيفة قال : يطلق عليه اسم الصعيد .
قلنا : ما ذكرناه أرجح لوجوه ثلاثة .
الأول : أن عليا ، وابن عباس فسرا الصعيد بالتراب .
فإن قالاه شرعا فهو حجة ، وإن قالاه لسانا فهما من أهل اللسان ، فيكون حجة .
الوجه الثاني : أن اللّه تعالى وصفه بكونه طيبا ، والطيب هو الذي ينبت بدليل قوله تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
والنورة ، والزرنيخ ، والكبريت لا ينبت .
الوجه الثالث : أن حمل المطلق على المقيد لازم عند الأكثر ، وقد ورد خبران عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
أحدهما : قوله عليه السّلام : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » وهذا مطلق في الأرض .
والثاني : « جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا » وهذا مقيد لإطلاق لفظ الأرض ، فيرجح على طريقة الجلة من الأصوليين .
قال في النهاية : ومذهب أبي محمد بن حزم عكس هذا ، وهو أن المقيد لا يقصر الحكم عليه ، بل يحكم بالمطلق ؛ لأن فيه زيادة فعمل بها ، وهذا مردود بذكر الإيمان في كفارة القتل .
وإنما حمل الثوري ومن معه اشتقاقا للصعيد من التصعد ، وهو الارتفاع والعلو ، فيقولون : هو لما علا من على الأرض .