تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
( 253 ) [ البقرة : 253 ] اعلم أن للرسل مراتب وهم درجات عند اللّه ، وإنما ورد النهي عن التفضيل بينهم لئلا يوهم ذلك الغض من المفضول [ منهم ] وتنقصه ، وجانبهم مصون عن مثل ذلك ، وهذه من مسائل الرسل من أصول الدين نحن ذكرناها وقليلا ما تذكر .
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
[ البقرة : 253 ] يحتج به من يرى القرآن وكلام اللّه - عزّ وجل - هو العبارات المسموعة ، وأنه - عزّ وجل - يتكلم بحرف وصوت قالوا : والإشارة إلى موسى الكليم ، ولولا أنه كلمه كلاما مسموعا / [ 62 / م ] عرفا لما كانت له خصيصة على غيره إذ قد كلم اللّه - عزّ وجل - غيره وحيا وإلهاما وغير ذلك ، فدل على أن لكلامه موسى خصيصة على الجميع ، وليس إلا لما ذكرنا من أنه كلمه بكلام مسموع . وأجاب الأشعرية [ وسائر أهل الحق ] بأن اللّه - عزّ وجل - كما ترى ذاته وليست جوهرا ولا عرضا كذلك يفهم كلامه وليس بصوت ولا حرف ، وأكثر ما فيه خلاف العادة والمألوف في الشاهد وهو مشترك بين المسألتين ، وهذا النائم يفهم الكلام في النوم من غير صوت ولا حرف في الخارج ، ومعتمد هؤلاء أن الصوت والحرف لا يعقل إلا من جسم ، واللّه - عزّ وجل - ليس بجسم ، ومعتمد الآخرين أن الكلام المفهوم لا يعقل إلا / [ 30 ب / م ] بصوت وحرف ، وربما أجاب الأولون بأن الكتابة والإشارة تفهم المراد ، ولا صوت ولا حرف ، وأيضا كما أن تأثيره - عزّ وجل - في إيجاد خلقه بلا علاج كذلك تأثيره في أسماعهم وأفهامهم بلا صوت ولا حرف ولا حركة ، وكما أنه يرى بلا جارحة ولا انطباع ولا خروج شعاع ، كذلك يتكلم بلا حركة [ ولا صوت ولا حرف ] .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
( 253 ) [ البقرة : 253 ] يحتج به الجمهور على أن اللّه - عزّ وجل - مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها ؛ لأن اقتتال هؤلاء المشار إليهم شر ، وقد أخبر أنه بإرادته ، وأنه لو شاء أن لا يكون لما يكون . والمعتزلة هاهنا يضطرون ويتلجلجون ، وإلى التأويلات البعيدة جدا يلجئون ؛ كقولهم : لو شاء اللّه إجبارهم على ترك الاقتتال لأجبرهم عليه ، فلم يقتتلوا ، ولكنه تركهم واختيارهم ، فلذلك اقتتلوا وهو كما تراه ، وهذا هو جوابهم في كل موضع ذكرت فيه المشيئة وظاهرها عليهم يتأولون الإجبار .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ