فأخذني فغطّني الثّالثة ، حتى بلغ مني الجهد ، ثمّ أرسلني فقال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 1 : 5 ] .
فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها فقال : « زمّلوني زمّلوني » . فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : « لقد خشيت على نفسي » .
فقالت خديجة : كلّا أبشر فو اللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنّك لتصل الرّحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضّيف ، وتعين على نوائب الحقّ .
فانطلقت به خديجة حتّى أتت به على ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمّ خديجة ، وكان امرءا تنصّر في الجاهليّة ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي .
فقالت له خديجة : يا ابن عمّ ، اسمع من ابن أخيك .
فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبر ما رأى .
فقال له ورقة : هذا النّاموس الّذي نزّل اللّه على موسى عليه السّلام ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أو مخرجي هم » . قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلّا عودي ، وإن يدركني يومك حيّا أنصرك نصرا مؤزّرا .
ثمّ لم ينشب ورقة أن توفّي وفتر الوحي .
وفي رواية : وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه ، تبدّى له جبريل عليه السّلام فقال : يا محمد ، إنك رسول اللّه حقّا .
فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك » « 1 » .
وأخرج الترمذي طرفا من أوله .
عن البخاري ومسلم وأحمد والترمذي ، عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة :
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 4 ) ، ومسلم ( 1 / 140 ) .