سورة البلد
( مكية وهي عشرون آية ، واثنتان وثمانون كلمة ، وثلاثمائة وعشرون حرفا ) بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 1 إلى 4 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ( 2 ) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 )
قوله عزّ وجلّ :
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
تقدم الكلام على قوله لا أقسم في أول سورة القيامة ، والبلد هي مكة في قول جميع المفسرين .
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
أي مقيم به ، نازل فيه ، فكأنه عظّم حرمة مكة من أجل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مقيم بها وقيل حل أي حلال ، والمعنى أحلت لك تصنع فيها ما تريد من القتل ، والأسر ، ليس عليك ما على الناس من الإثم في استحلالها ، أحل اللّه عزّ وجلّ له مكة يوم الفتح حتى قاتل ، وأمر بقتل ابن خطل ، وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وأحل دماء قوم ، وحرم دماء قوم آخرين ، فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ثم قال بعد ذلك إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، ولم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار فهي حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، والمعنى أن اللّه تعالى لما أقسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها ، وشرفها ، وحرمتها ، ومع ذلك فقد وعد نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنه يحلها له حتى يقاتل فيها ، وأن يفتحها على يده ، فهذا وعد من اللّه تعالى في الماضي ، وهو مقيم بمكة أن يفتحها عليه في المستقبل بعد الهجرة ، وخروجه منها ، فكان كما وعده ، وقيل في معنى قوله
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
، أي أنهم يحرمون أن يقتلوا به صيدا ، ويستحلون قتلك فيه ، وإخراجك منه .
وَوالِدٍ وَما وَلَدَ
يعني آدم وذريته أقسم اللّه تعالى بمكة لشرفها ، وحرمتها ، وبآدم ، وبالأنبياء والصالحين من ذريته ، لأن الكافر وإن كان من ذريته فلا حرمة له حتى يقسم به ، وجواب القسم قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
قال ابن عباس : في نصب ، وقيل يكابد مصائب الدنيا ، وشدائد الآخرة ، وعنه أيضا قال : في شدة من حمله ، وولادته ، ورضاعه ، وفطامه ، وفصاله ، ومعاشه ، وحياته ، وموته وأصل الكبد الشدة ، وقيل لم يخلق اللّه خلقا يكابد ، ما يكابد ابن آدم ، وهو مع ذلك أضعف الخلق ، وعن ابن عباس أيضا قال : الكبد الاستواء ، والاستقامة ، فعلى هذا يكون المعنى ، خلقنا الإنسان منتصبا معتدل القامة ، وكل شيء من الحيوان يمشي منكبا ، وقيل منتصبا ، رأسه في بطن أمه فإذا أذن اللّه في خروجه انقلب رأسه إلى أسفل ، وقيل في كبد أي في قوة نزلت في أبي الأشد أسيد بن كلدة بن جمح ، وكان شديدا قويا يضع الأديم العكاظي تحت قدميه ، ويقول من أزالني عنه فله كذا وكذا فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعا ، ويبقى من ذلك الأديم بقدر موضع قدميه .