الثاني : أن تجعل لذله أو لذله جناحا خفيضا ، كما جعل لبيد للشمال يدا ، وللقوة زماما ، في قوله :
3082 -
وغداة ريح قد كشفت وقرّة * إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها « 1 »
مبالغة في التذلل والتواضع لهما ، انتهى . يعني : أنه عبّر عن اللين بالذل ثم استعار له جناحا ، ثم رشح هذه الاستعارة بأن أمره بخفض الجناح . ومن طريف ما يحكى أنّ أبا تمام لما نظم قوله :
3083 -
لا تسقني ماء الملام فإنّني * صبّ قد استعذبت ماء بكائي « 2 »
جاءه رجل بقصعة ، وقال له : أعطني شيئا من ماء الملام ، فقال له : حتى تأتني بريشة من جناح الذّلّ ؟ يريد :
أن هذا مجاز استعارة كذلك ، وقال بعضهم :
3084 -
أراشوا جناحي ثمّ بلّوه بالنّدى * فلم أستطع من أرضهم طيرانا « 3 »
وقرأ العامة بضم الذال ، وابن عباس في آخرين بكسرها ، وهي استعارة ، لأن الذّلّ في الدّوابّ ، لأنه ضدّ :
الصّعوبة ، فاستعير للأناسي ، كما أن الذّلّ بالضم ضدّ العز . قوله :
مِنَ الرَّحْمَةِ
فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنها للتعليل ، فيتعلق ب « اخفض » أي : أخفض من أجل الرحمة .
والثاني : أنها لبيان الجنس ، قاله ابن عطية . أي : أن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس .
الثالث : أن يكون في محل نصب على الحال من
« جَناحَ »
.
الرابع : أنها لابتداء الغاية . قوله :
« كَما رَبَّيانِي »
، في هذه الكاف قولان :
أحدهما : أنها نعت لمصدر محذوف ، فقدّره الحوفي : « ارحمهما رحمة مثل تربيتهما لي » . وقدّره أبو البقاء : « رحمة مثل رحمتهما » . كأنه جعل التربية رحمة .
الثاني : أنها للتعليل ، أي : ارحمهما لأجل تربيتهما ، كقوله :
« وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ »
.
قوله :
. . . وَلا تُبَذِّرْ . . . .
التّبذير : التّفريق ، ومنه : البذر ، لأنه يفرّق في الأرض للزراعة ، قال الشاعر :
3085 -
ترائب يستضيء الحلي فيها * كجمر النّار بذّر بالظّلام « 4 »
ثم غلّب في الإسراف في النفقة .
قوله :
. . . ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ . . . .
يجوز أن يكون مفعولا من أجله ناصبه « تعرض » وهو وضع المسبب موضع السبب ، وذلك أن الأصل : وإما تعرض عنهم لإعسارك ، وجعله الزمخشري منصوبا بجواب الشرط ، أي : فقل لهم قولا سهلا ، ابتغاء رحمة . وردّ عليه الشيخ بأنّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها ، نحو : « إن يقم زيد عمرا فاضرب » فإن حذفت جاز عند سيبويه
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) البيت في ديوانه ( ) ، انظر البحر المحيط ( 6 / 28 ) .
( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 6 / 28 ) .
( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 6 / 23 ) .