أي : رأيت كلّ ضامر ، ولذلك أفرد الضمير في « يموت ويفنى » ، ولما كان المعنى لا تتخذ كل واحد منكم جاء
« فَتَزِلَّ قَدَمٌ »
مراعاة لهذا المعنى ، ثم قال :
« وَتَذُوقُوا »
مراعاة للمجموع ، أو للفظ الجمع على الوجه الكثير ، إذا قلنا : إنّ الاسناد لكل فرد فرد ، فتكون الآية قد تعرضت للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلا باعتبار المجموع ، وباعتبار كل فرد فرد ، ودلّ على ذلك بافراد
« قَدَمٌ »
ويجمع الضمير في
« وَتَذُوقُوا »
. وأما السبب المذكور فإنّ النحويين خرّجوه على أنّ المعنى « يموت » من ثمّ ذكر ، فأفرد الضمير لذلك لا لما ذكر .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 96 إلى 105 ]
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 )
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 )
قوله :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ .
مبتدأ وخبر . والنّفاد : الذّهاب ، يقال : نفد بكسر العين ، ينفد بفتحها نفادا ونفودا ، وأما نفذ بالذال المعجمة ففعله نفذ بالفتح ، ينفذ ، بالضم وسيأتي . ويقال : أنفد القوم فنى زادهم ، وخصم منافد لينفد حجّة صاحبه ، يقال :
نافدته فنفد . وقوله :
« باقٍ »
قد تقدم الكلام في الوقف عليها في الرعد . قوله :
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ
قرأ ابن كثير وعاصم وابن ذكوان :
« وَلَنَجْزِيَنَّ »
بنون العظمة ، التفاتا من الغيبة إلى التكلم . وتقدم تقرير الالتفات ، والباقون بياء الغيبة رجوعا إلى اللّه لتقدم ذكره العزيز ، في قوله :
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ .
قوله :
بِأَحْسَنِ ما كانُوا
يجوز أن تكون « أفعل » على بابها من التفضيل ، وإذا جازاهم بالأحسن ، فلأن يجازيهم بالحسن من باب الأولى ، وقيل « 1 » :
ليست للتفضيل ، وكأنهم فروا من مفهوم أفعل ، إذ لا يلزم من المجازاة بالأحسن المجازاة بالحسن ، وهو وهم ، لما تقدم من أنه من مفهوم الموافقة بطريق الأولى .
قوله :
. . . مِنْ ذَكَرٍ . . . .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 533 ) .