محذوف ، تقديره : وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه ، وهي رأي سيبويه . و
« ما »
يجوز فيها أن تكون موصولة اسمية أو حرفية ، أو نكرة موصوفة ، والمصدر واقع موقع المفعول ، أي : مسئولكم ، فإن كانت مصدرية فالضمير في
« سَأَلْتُمُوهُ »
عائد على اللّه تعالى ، وإن كانت موصولة ، أو موصوفة كان عائدا عليها ، ولا يجوز أن يكون عائدا على اللّه تعالى ، وعائد الموصول أو الموصوف محذوف ، لأنه إما أن يقدر متصلا : سألتموهوه ، أو منفصلا سألتموه إياه .
وكلاهما لا يجوز فيه الحذف لما قدمته لك أول البقرة في قوله :
« وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »
« 1 » . وقرأ ابن عباس ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، والحسن ، والضحاك ، وعمر بن فائد ، وقتادة ، وسلّام ، ويعقوب ، ونافع في رواية
« مِنْ كُلِّ »
منونة ، وفي
« ما »
على هذه القراءة وجهان .
أحدهما : أنها نافية ، وبه بدأ الزمخشري فقال : « و
« سَأَلْتُمُوهُ »
نفي ، ومحله النصب على الحال ، أي :
آتاكم من جميع ذلك غير سائليه » . قلت : ويكون المفعول الثاني هو الجار في قوله :
« مِنْ كُلِّ »
كقوله :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
والثاني : أنها موصولة ، بمعنى الذي هي المفعول الثاني ل
« آتاكُمْ »
. وهذا التخريج الثاني أولى ، لأن في الأول منافاة في الظاهر لقراءة العامة .
قال الشيخ « 2 » : ولما أحسّ الزمخشري بظهور التنافي بين هذه القراءة وبين تلك ، قال : « ويجوز أن تكون
« ما »
موصولة ، على : وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه » . قوله :
« نِعْمَتَ »
في معنى المنعم به ، وختمت هذه ب
« إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ »
ونظيرتها في النحل ب
« إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ »
« 3 » ، لأن في هذه تقديم قوله :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً » ،
وبعده :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً »
فجاء قوله :
« إِنَّ الْإِنْسانَ »
شاهدا يقبح من فعل ذلك ، فناسب ختمها بذلك . والتي في النحل ذكر فيها عدة تفضلات ، وبالغ فيها ، وذكره قوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
« 4 » ، أي :
من أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن يقدر منها على شيء ، فذكر أيضا أنّ من جملة تفضلاته اتصافه بهاتين الصفتين .
قوله :
هَذَا الْبَلَدَ آمِناً .
مفعولا ل
« اجْعَلْ »
التصييري . وقد تقدم تحريره في البقرة « 5 » . قال الزمخشري : « فإن قلت : أي فرق بن قوله :
« اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً »
« 6 » . وبين قوله :
« هَذَا الْبَلَدَ آمِناً » ؟
قلت : قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون ، وفي الثاني : أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن ، كأنه قال :
هو بلد مخوف فاجعله آمنا . قوله :
وَاجْنُبْنِي
يقال : جنبه شرّا ، وأجنبه إياه ثلاثيا ورباعيا ، وهي لغة نجد . وجنّبه إياه مشددا وهي لغة الحجاز ، وهو المنع ، وأصله : من الجانب . قال الراغب : وقوله تعالى :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ
من جنبته عن كذا ، أي : أبعدته منه ، وقيل : من جنبت الفرس ، كأنما سأله أن يقوده ، عن جانب الشّرك بإلطاف
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية ، ( 3 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 428 ) .
( 3 ) آية ، رقم ( 18 ) .
( 4 ) سورة النحل آية ، ( 17 ) .
( 5 ) آية ، رقم ( 126 ) .
( 6 ) انظر الآية المتقدمة .