تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
ضعيفا ، ولم يكن كقولك : ما زيد منطلقا هو ، لأنك قد استغنيت عن إظهاره ، وإنما ينبغي لك أن تضمره » . قلت : ومذهب الأخفش : أنه جائز مطلقا ، وعليه بنى الزمخشري ، وقد جوّز أبو البقاء - ما يوهم أنه جواب عن ذلك - فقال : الوجه الثالث : أن يكون
« جَزاؤُهُ »
مبتدأ ، و
« مَنْ وُجِدَ »
: مبتدأ ثان ، و
« فَهُوَ »
مبتدأ ثالث ، و
« جَزاؤُهُ »
خبر الثالث ، والعائد على المبتدأ الأول الهاء الأخيرة ، وعلى الثاني « هو » انتهى . « وهذا الذي ذكره أبو البقاء لا يصح ، إذ يصير التقدير : فالذي وجد في رحله جزاء الجزاء ، لأنه جعل « هو » عبارة عن المبتدأ الثاني ، وهو
« مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ »
وجعل الهاء الأخيرة ، وهي التي في
« جَزاؤُهُ »
الأخير عائدة على
« جَزاؤُهُ »
الأول ، فصار التقدير : كما ذكرته لك ، والوجه الثاني - من الأوجه المتقدمة - أن يكون
« جَزاؤُهُ »
مبتدأ ، والهاء تعود على المسروق ، و
« مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ »
خبره ، و
« مَنْ »
بمعنى الذي ، والتقدير : جزاء الصّواع الذي وجد في رحله ، وكذلك كانت شريعتهم ، يسترق السارق ، فلذلك استفتوا في جزائه . وقوله :
فَهُوَ جَزاؤُهُ
تقدير للحكم ، أي : فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كقولك : حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه ، فذلك حقه ؛ أي : فهو حقه لتقرر ما ذكرته من استحقاقه ، ويلزمه ما قاله الزمخشري ، ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه ، قال : « والتقدير استبعاد من وجد في رحله » ، وقوله :
« فَهُوَ جَزاؤُهُ »
« مبتدأ وخبر مؤكد لمعنى الأول » . ولمّا ذكر الشيخ هذا الوجه ناقلا له عن الزمخشري قال « 1 » : « وقال معناه ابن عطية ، إلا أنه جعل القول الواحد قولين . قال : « ويصح أن يكون
« مَنْ »
خبرا على أنّ المعنى : جزاء السارق ، من وجد في رحله ( عائد على من ) ، ويكون قوله :
« فَهُوَ جَزاؤُهُ »
زيادة بيان وتأكيد . ثم قال : « ويحتمل أن يكون التقدير : جزاؤه استرقاق من وجد في رحله » . وفيما قبله لا بد من تقديره ، لأن الذات لا تكون خبرا عن المصدر ، فالتقدير في القول قبله جزاؤه أخذ من وجد في رحله ، أو استرقاقه ، هذا لا بد منه على هذا الإعراب » . قلت : وهذا كما قال الشيخ « 2 » : « ظاهره أنه جعل القول الواحد قولين » . الوجه الثالث - من الأوجه المتقدمة - : أن يكون
« جَزاؤُهُ »
خبر مبتدأ محذوف ، أي : المسؤول عنه جزاؤه ، ثم أفتوا بقولهم :
« مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ »
، كما تقول : من استفتى في جزاء صيد المحرم جزاء صيد المحرم ، ثم يقول :
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ،
قاله الزمخشري . قال الشيخ « 3 » : « وهو متكلف ، إذ تصير الجملة من قوله : « المسؤول عنه جزاؤه ، وعلى هذا التقدير ليس فيه كثير فائدة ، إذ قد علم من قوله :
« فَما جَزاؤُهُ »
، إنّ الشيء المسؤول عنه جزاء سرقته ، فأي فائدة في نطقهم بذلك ، وكذلك القول في المثال الذي مثل به من قول المستفتي . « قلت : قوله : ليس فيه كثير فائدة ممنوع ، بل فيه فائدة الإضمار المذكورة في علم البيان ، وفي القرآن أمثال ذلك » . الوجه الرابع : أن يكون
« جَزاؤُهُ »
مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : جزاؤه عندنا كجزائه عندكم ، والهاء تعود على السارق ، أو على المسروق ، وفي الكلام المتقدم دليل عليهما ، ويكون قوله :
« مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ »
على ما تقدم في الوجه الذي قبله ، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء . ولم يذكره الشيخ ، فقد حصل في الآية الكريمة أربعة أوجه ، وتقدم أن الوجه الأول والثاني وجه كما بينته لك ، فإذا ضممنا هذا الوجه الأخير الذي بدأ به أبو البقاء إلى الأربعة
هامش
( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) انظر المصدر السابق .