[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 35 ]
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 )
قوله :
فَذلِكُنَّ .
مبتدأ والموصول خبره ، أشارت إليه إشارة البعيد ، وإن كان حاضرا تعظيما له ورفعا منه ، ليظهر عذرها في شغفها . وجوّز ابن عطية أن يكون ذلك إشارة إلى حبّ يوسف ، والضمير في
« فِيهِ »
عائد على الحب ، فيكون ذلك إشارة إلى غائب على بابه . قلت : يعني بالغائب البعيد ، وإلّا فالإشارة لا تكون إلا لحاضر مطلقا . قوله :
ما آمُرُهُ
في
« ما »
وجهان :
أحدهما : أنها مصدرية .
والثاني : أنها موصولة ، وهي مفعول بها بقوله
« يَفْعَلْ »
، والهاء في
« آمُرُهُ »
تحتمل وجهين :
أحدهما : العود على
« ما »
الموصولة ، إذا جعلناها بمعنى الذي .
والثاني : العود على يوسف ، ولم يجوز الومخشري عودها على
« يُوسُفُ »
إلا إذا جعلت
« ما »
مصدرية ، فإنه قال : « فإن قلت الضمير في
« آمُرُهُ »
راجع إلى الموصول ، أم إلى يوسف ؟ قلت : بل إلى الموصول ، والمعنى : ما آمره به ، فحذف الجار ، كما في قولك « أمرتك الخير » ويجوز أن تجعل
« ما »
مصدرية ، فتعود على
« يُوسُفُ »
.
ومعناه : لئن لم يفعل أمري إياه ، أي : موجب أمري ومقتضاه . « قلت : وعلى هذا فالمفعول الأول محذوف تقديره :
ما آمر به ، وهو ضمير يوسف ، والسين في « استعصم » فيها وجهان :
أحدهما : أنها ليست على بابها من الطلب ، بل استفعل هنا بمعنى : افتعل ف « استعصم ، واعتصم » واحد .
وقال الزمخشري : الاستعصام : بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد ، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها ، ونحوه : « استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي ، واستفحل الخطب » . فرد السين إلى بابها من الطلب ، وهو معنى حسن ، ولذلك قال ابن عطية : « معناه طلب العصمة ، واستمسك بها وعصاني » .
قال الشيخ : « 1 » « والذي ذكره التصريفيون في « استعصم » : أنه موافق ل « اعتصم » ف « استفعل » فيه مواقف ل « افتعل » ، وهذا أجود من جعل « استفعل » فيه للطلب ، لأن « اعتصم » يدل على وجود اعتصامه ، وطلب العصمة لا يدل على حصولها ، وأما أنه بناء مبالغة يدل على الاجتهاد في الاستزادة من العصمة ، فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى ل « استفعل » ، وأما استمسك واستوسع واستجمع الرأي ف « استفعل » فيه موافقة ل « افتعل » والمعنى :
امتسك واتسع واجتمع ، وأما استفحل الخطب ف « استفعل » فيه موافقة ل « تفعّل » ، أي : تفعّل الخطب ، نحو :
« استكبر وتكبّر » . وقرأ العامة بتخفيف نون
« وَلَيَكُوناً »
ويقفون عليها بالألف إجراء لها مجرى التنوين ، ولذلك يحذفونها بعد ضمة أو كسرة « 2 » ، نحو : « هل يقومون ، وهل تقومين » ، في : « هل يقومنّ ، وهل تقومنّ ، والنون الموجودة في الوقف نون الرفع ، رجعوا بها عند عدم ما يقتضي حذفها . وقد قررت ذلك فيما تقدم « 2 » . وقرأت فرقة بتشديدها ، وفيها مخالفة لسواد المصحف لكتبها فيه ألفا ، لأن الوقف عليها كذلك كقوله :
2815 -
وإيّاك والميتات لا تقربنّها * ولا تعبد الشّيطان ، واللّه فاعبدا « 3 »
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 306 ) .
( 2 ) انظر سورة البقرة آية ، ( 132 ) .
( 3 ) تقدم .