تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 93 إلى 97 ]

وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 ) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 94 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) ولذلك قال في جوابهم :
أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ .
ولو قيل : وما عززت علينا ، لم يصح هذا الجواب . قوله :
وَاتَّخَذْتُمُوهُ
يجوز أن تكون المتعدية لاثنين أولهما : الهاء : والثاني :
« ظِهْرِيًّا »
ويجوز أن يكون الثاني هو الظرف و
« ظِهْرِيًّا »
حال ، وأن تكون المتعدية لواحد فيكون
« ظِهْرِيًّا »
حالا فقط ، ويجوز في
« وَراءَكُمْ »
أن يكون ظرفا للاتخاذ ، وأن يكون حالا من
« ظِهْرِيًّا »
والضمير في اتّخذّتموه » يعود على اللّه ، لأنهم يجهلون صفاته ، فجعلوه أي : جعلوا أوامره ظهريا أي : منبوذة وراء ظهورهم . والظّهريّ : هو المنسوب إلى الظهر وهو من تغييرات النسب ، كما قالوا في : أمس إمسيّ بكسر الهمزة ، وإلى الدّهر : دهريّ بضم الدال . وقيل : الضمير يعود على العصيان ، أي : واتخذتم العصيان عونا على عداوتي ، فالظّهريّ على هذا بمعنى : المعين المقوي . قوله :
مَنْ يَأْتِيهِ .
قد تقدم نظيره في قصة نوح . قال ابن عطية : بعد أن حكى عن الفراء أن تكون موصولة مفعولة ب
« تَعْلَمُونَ »
، وأن تكون استفهامية مبتدأة معلقة ل
« تَعْلَمُونَ »
والأول أحسن . ثم قال : ويقتضي بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة . قال الشيخ : « لا يتعين ذلك ، إذ من الجائز أن تكون الثانية استفهامية أيضا ، معطوفة على الاستفهامية قبلها » ، والتقدير : سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب وأينا هو كاذب . وقال الزمخشري : « فإن قلت : أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في
« سَوْفَ تَعْلَمُونَ »
؟ قلت : إدخال الفاء : وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، ونزعها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر » ، كأنهم قالوا : فماذا يكون إذا عملنا نحن وعملت أنت على مكانتك ، فقيل : سوف تعلمون ، فوصل تارة بالفاء ، وتارة بالاستئناف ، كما هو عادة البلغاء من العرب : وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف ، وهو باب من علم البيان تتكاثر محاسنه . قوله :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا .
قال الزمخشري : « فإن قلت : ما بال ساقتي قصة عاد ، وقصة مدين جاءتا بالواو ، والساقتان الوسيطان بالفاء ؟ قلت : قد وقعت الوسيطان بعد ذكر الوعد ، وذلك قوله :
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ
« 1 » -
ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
فجاء بالفاء التي للتسبيب كما تقول : وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت ، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة ،
هامش
( 1 ) سورة هود ، آية : ( 11 ) .