إذا تقرر هذا فلنرجع إلى الآية الكريمة ، فنقول - وباللّه التوفيق - : اختلف الناس في هذه الآية على ثلاثة أقوال :
أحدها : أن المفعول الأول ، والجملة الاستفهامية التي سدت مسد الثاني محذوفان لفهم المعنى ، والتقدير :
أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم ؟ أو اتخاذكم غير اللّه إلها هل يكشف ضركم ؟ ونحو ذلك ، فعبادتكم ، أو اتخاذكم ، مفعول أول ، والجملة الاستفهامية سادة مسد الثاني ، والتاء هي الفاعل ، والكاف حرف خطاب .
الثاني : أن الشرط وجوابه - وسيأتي بيانه - قد سدا مسد المفعولين لأنهما قد حصلا المعنى المقصود ، فلم يحتج هذا الفعل إلى مفعول ، وليس بشيء ، لأن الشرط وجوابه لم يعهد فيهما أن يسدا مسد مفعولي ظن ، وكون الفعل غير محتاج لمفعول إخراج له عن وضعه ، فإن عنى بقوله : سدا مسده ، أنهما دالان عليه ، فهو المدعي .
والثالث : أن المفعول الأول محذوف ، والمسألة من باب التنازع بين
« أَ رَأَيْتَكُمْ »
، و
« أَتاكُمْ »
، والمتنازع فيه هو لفظ « العذاب » ، وهذا اختيار الشيخ ، ولنورد كلامه ليظهر فإنّه كلام حسن ، قال : « فنقول الذي نختاره أنها باقية على حكمها من التعدي إلى اثنين ، فالأول منصوب ، والثاني لم نجده بالاستقراء إلّا جملة استفهامية أو قسمية . فإذا تقرر هذا فنقول : المفعول الأول في هذه الآية محذوف ، والمسألة من باب التنازع ، تنازع
« أَ رَأَيْتَكُمْ »
، والشرط على
« عَذابُ اللَّهِ »
فأعمل الثاني ، وهو
« أَتاكُمْ »
، فارتفع
« عَذابُ »
به ، ولو أعمل الأول لكان التركيب
« عَذابُ »
بالنصب ، ونظير ذلك : « اضرب إن جاءك زيد » على إعمال « جاءك » ، ولو نصب لجاز ، وكان من إعمال الأول ، وأما المفعول الثاني فهو الجملة من الاستفهام
« أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ »
والرابط لهذه الجملة بالمفعول الأول المحذوف محذوف تقديره : أغير اللّه تدعون لكشفه ، والمعنى : قل أرأيتكم عذاب اللّه إن أتاكم ، أو الساعة إن أتتكم أغير اللّه تدعون لكشفه ، أو لكشف نوازلها انتهى . والتقدير الإعرابي الذي ذكره يحتاج إلى بعض إيضاح ، وتقديره : قل أرأيتكموه ، أو أرأيتكم إياه إن أتاكم عذاب اللّه ، فذلك الضمير هو ضمير العذاب ، لما عمل الثاني في ظاهره ، أعطى الملغى ضميره ، وإذا أضمر في الأول حذف ما لم يكن مرفوعا ، أو خبرا في الأصل ، وهذا الضمير ليس مرفوعا ، ولا خبرا في الأصل فلأجل ذلك حذف ، ولا يثبت إلّا ضرورة . وأما جواب الشرط ففيه خمسة أوجه :
أحدها : أنه محذوف ، فقدره الزمخشري : إن أتاكم عذاب اللّه من تدعون .
قال الشيخ « 1 » : وإصلاحه أن يكون « فمن تدعون بالفاء ، لأن جواب الشرط إذا وقع جملة استفهامية فلا بدّ فيه من الفاء .
الثاني : أنه :
« أَ رَأَيْتَكُمْ »
قاله الحوفي ، وهو فاسد لوجهين :
أحدهما : أن جواب الشرط لا يتقدم عند جمهور البصريين ، إنما جوزه الكوفيون ، وأبو زيد ، والمبرد .
والثاني : أن الجملة المصدرة بالهمزة لا تقع جوابا للشرط البتة ، وإنما يقع من الاستفهام ما كان ب « هل » ، أو اسم من أسماء الاستفهام ، وإنما لم تقع الجملة المصدرة بالهمزة جوابا ، لأنه لا يخلو أن يأتي معها بالفاء أو لا يأتي بها ، لا جائز ألا يأتي بها ، لأن كل ما لا يصلح شرطا يجب اقترانه بالفاء إذا وقع جوابا ، ولا جائز أن يأتي بها ، لأنك إما
هامش
( 1 ) انظر البحر ( 4 / 127 ) .