تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
الكلام خرج على زعمهم . وعلى قولنا : إنها نافية يكون
« مِنْ جِنَّةٍ »
مبتدأ ، و
« مِنْ »
مزيدة فيه ، و
« بِصاحِبِهِمْ »
خبره ، أي : ما جنة بصاحبهم . قوله :
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ .
فيها وجهان : أحدهما وهو الصحيح : أنها المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن ، و
« عَسى »
وما في حيّزها في محل الرفع خبرا لها ، ولم يفصل هنا بين
« أَنْ »
والخبر وإن كان فعلا ، لأن الفعل الجامد الذي لا يتصرف يشبه الأسماء ، ومثله :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ،
« والخامسة أن غضب اللّه عليها » في قراءة نافع ، لأنه دعاء . وقد وقع خبر
« أَنْ »
جملة طلبية في هاتين الآيتين الأخيرتين ، فإنّ
« عَسى »
للإنشاء ، و « غضب اللّه » دعاء . والثاني : أنها المصدرية ، قاله أبو البقاء ، يعني التي تنصب المضارع الثنائية الوضع . وهذا ليس بجيد ، لأن النحاة نصوا على أن المصدرية لا توصل إلا بالفعل المتصرف مطلقا ، أي : ماض ، ومضارع ، وأمر ، و
« عَسى »
لا يتصرف ، فكيف يقع صلة لها ؟ و
« أَنْ »
على كلا الوجهين في محل جر ، نسقا على
« مَلَكُوتِ »
، أي : أو لم في أن الأمر والشأن عسى أن يكون . و
« أَنْ يَكُونَ »
فاعل
« عَسى »
، وهي حينئذ تامة ، لأنها متى رفعت
« أَنْ »
وما في حيّزها كانت تامة ، ومثلها في ذلك « أوشك ، واخلولق » . وفي اسم
« يَكُونَ »
قولان : أحدهما : هو ضمير الشأن ، ويكون
« قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ »
خبرا لها . والثاني : أنه
« أَجَلُهُمْ »
، و
« قَدِ اقْتَرَبَ »
جملة من فعل وفاعل هو ضمير
« أَجَلُهُمْ »
، ولكن قدم الخبر ، وهو جملة فعلية على اسمها ، وقد تقدم ذلك والخلاف فيه ، وهو أنّ ابن مالك يجيزه ، وابن عصفور يمنعه ، عند قوله :
« ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ »
. قوله :
فَبِأَيِّ
متعلق ب
« يُؤْمِنُونَ »
، وهي جملة استفهامية سيقت للتعجب ، أي : إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث ، فكيف يؤمنون بغيره ؟ والهاء في
« بَعْدَهُ »
يحتمل العود على القرآن ، وأن يعود على الرسول ، ويكون الكلام على حذف مضاف ، أي : بعد خبره وقصته ، وأن يعود على
« أَجَلُهُمْ »
، أي : أنهم إذا ماتوا وانقضى أجلهم فكيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم ؟ قال الزمخشري : « فإن قلت : بم تعلق قوله :
« فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ »
؟ قلت : بقوله :
« عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ »
، كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب ، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الموت ، وما ذا ينتظرون بعد وضوح الحق ؟ وبأيّ حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا ؟ » . يعني التعلق المعنوي المرتبط بما قبله ، لا الصناعي ، وهو واضح . قوله :
وَيَذَرُهُمْ .
قرأ الأخوان بالياء وجزم الفعل ، وعاصم وأبو عمرو بالياء أيضا ، ورفع الفعل ، ونافع وابن كثير وابن عامر بالنون ورفع الفعل أيضا ، وقد روى الجزم أيضا عن نافع وأبي عمرو في الشواذ . فالرفع من وجه واحد ، وهو الاستئناف ، أي : وهو يذرهم ، أو ونحن نذرهم على حسب القراءتين . وأما السكون فيحتمل وجهين : أحدهما : أنه جزم ، نسقا على محل قوله :
« فَلا هادِيَ لَهُ »
، لأن الجملة المنفية جواب للشرط ، فهي في محل جزم فعطف على محلها ، وهو كقوله تعالى :
وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَيُكَفِّرُ
بجزم