تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
أبرزه في صورة الماضي . وقوله :
« وَضَلَّ »
يجوز أن يكون نسقا على
« كَذَبُوا »
فيكون داخلا في حيّز النظر ، ويجوز أن يكون استئناف إخبار ، فلا يندرج في حيّز المنظور إليه . قوله :
« ما كانُوا »
يجوز في
« ما »
أن تكون مصدرية ، أي : وضلّ عنهم افتراؤهم ، وهو قول ابن عطية . ويجوز أن تكون موصولة اسمية ، أي : وضلّ عنهم الذي كانوا يفترونه ، فعلى الأول لا يحتاج إلى ضمير عائد على
« ما »
عند الجمهور ، وعلى الثاني لا بدّ من ضمير عند الجميع . قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ .
راعى لفظ
« مَنْ »
فأفرد ، ولو راعى المعنى لجمع ، كقوله في موضع آخر :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ
« 1 » . وقوله :
عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ .
إلى آخره حمل على معناها . قوله :
« وَجَعَلْنا »
« جعل هنا يحتمل أن تكون للتصيير ، فتتعدى لاثنين ، أولهما :
« أَكِنَّةً »
. والثاني : الجار قبله ، فيتعلق بمحذوف ، أي : صيرنا الأكنة مستقرة على قلوبهم . ويحتمل أن تكون بمعنى خلق ، فتتعدى لواحد ، ويكون الجار قبله حالا ، فيتعلق بمحذوف ، لأنه لو تأخر لوقع صفة ل
« أَكِنَّةً »
. ويحتمل أن تكون بمعنى ألقى ، فتتعلق
« عَلى »
بها ، كقولك : ألقيت على زيد كذا ، وقوله :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
« 2 » . وهذه الجملة تحتمل وجهين : أظهرهما : أنها مستأنفة ، سيقت للأخبار بما تضمنه من الختم على قلوبهم وسمعهم . ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال ، والتقدير : ومنهم من يستمع في حال كونه مجعولا على قلبه كنان ، وفي أذنه وقر . فعلى الأول يكون قد عطف جملة فعلية على اسمية ، وعلى الثاني : تكون الواو للحال ، وقد مضمرة عند من يقدرها قبل الماضي الواقع حالا . و « الأكنّة » جمع كنان ، وهو الوعاء الجامع ، قال :
1892 - إذا ما انتضوها في الوغى من أكنّة * حسبت بروق الغيث يأتي غيومها « 3 »
وقال بعضهم : الكنّ بالكسر : ما يحفظ فيه الشيء ، وبالفتح : المصدر ، يقال : مننته كنّا ، أي جعلته في كنّ ، وجمع على أكان ، قال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً
« 4 » والكنان : الغطاء الساتر ، والفعل من هذه المادة يستعمل ثلاثيا ورباعيا ، يقال : كننت الشيء ، وأكننته كنّا وإكنانا ، إلّا أن الراغب فرق بين فعل وأفعل فقال . وخص كننت بما يستر من بيت ، أو ثوب ، أو غير ذلك من الأجسام ، قال تعالى :
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
« 5 » ، وأكننت بما يستر في النفس ، قال تعالى :
أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ
« 6 » . « قلت : ويشهد لما قال : قوله تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
« 7 » ، وقوله تعالى :
ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ
« 8 » . و « كنان » يجمع على أكنّة في القلة
هامش
( 1 ) سورة يونس ، آية ( 42 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 39 ) . ( 3 ) البيت ذكره أبو حيان في البحر ( 4 / 97 ) ، وفيه ( هاجت ) بدل ( يأتي ) . ( 4 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) . ( 5 ) سورة الصافات ، آية ( 49 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 235 ) . ( 7 ) سورة الواقعة ، الآيات ( 77 - 48 ) . ( 8 ) سورة النمل ، آية ( 74 ) .