تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وهذه تقوى أن
« عَلى »
بمعنى الباء . وقرأ عبد اللّه والأعمش
« أَنْ لا أَقُولَ »
دون حرف جر ، فاحتمل أن يكون ذلك الجار
« عَلى »
كما هو قراءة العامة ، وأن يكون الجار الباء كما هو قراءة أبيّ . و
« الْحَقَّ »
يجوز أن يكون مفعولا به ، لأنه يتضمن معنى جملة ، وأن يكون منصوبا على المصدر ، أي : القول الحق ، والاستثناء مفرغ .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 107 إلى 111 ]

فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 107 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 108 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 109 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 110 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) قوله :
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ .
« إذا » فجائية ، وقد تقدم أن فيها ثلاثة مذاهب : ظرف مكان ، أو زمان أو حرف . وقال ابن عطية - هنا - : و « إذا » ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد ، من حيث كانت خبرا عن جثة ، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرف زمان في كل موضع » . قلت : المشهور عند الناس قول المبرد ، وهو مذهب سيبويه . وأما كونها زمانا فهو مذهب الرياشي ، وعزى لسيبويه أيضا . وقوله : « من حيث كانت خبرا عن جثة » . ليست هي هنا خبرا عن جثة ، بل الخبر عن
« هِيَ »
لفظ
« ثُعْبانٌ »
، لا لفظ « إذا » . والثّعبان : هو ذكر الحيات العظيم ، واشتقاقه من ثعبنت المكان : أي : فجرته بالماء ، شبه في انسيابه بانسياب الماء ، يقال : ثعبت الماء : فجرته ، فانثعب ، ومنه : مثعب المطر . وفي الحديث : « جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما « 1 » » . وهنا سؤال ، وهو أنه وصفها تارة بكونها ثعبانا ، وهو العظيم الهائل الخلق ، وفي موضع آخر بقوله :
« كَأَنَّها جَانٌّ »
، والجانّ من الحيّات : الخفيف الضئيل الخلق ، فكيف يجمع بين هاتين الصفتين ؟ وقد أجاب الزمخشري في غير هذا المكان بجوابين : أحدهما : أنه جمع لها بين الشيئين ، أي : بين كبر الجثة كالثّعبان ، وبين خفة الحركة وسرعة المشي كالجانّ . والثاني : أنها في ابتداء أمرها تكون كالجانّ ، ثم تتعاظم ويتزايد خلقها إلى أن تصير ثعبانا . قوله :
لِلنَّاظِرِينَ .
متعلق بمحذوف ، لأنه صفة ل
« بَيْضاءُ »
. وقال الزمخشري : « فإن قلت : بم تعلق
« لِلنَّاظِرِينَ »
؟ قلت : يتعلق ب
« بَيْضاءُ »
. والمعنى : فإذا هي بيضاء للنّظّارة ، ولا تكون بيضاء للنظّارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة ، يجتمع الناس للنظر إليه ، كما تجتمع النظارة للعجائب » . وهذا الذي ذكره أبو القاسم تفسير معنى ، ولا تفسير إعراب ، وكيف يريد تفسير الإعراب ؟ وإنما أراد التعلق المعنوي ، لا الصناعي ، كقولهم : هذا الكلام يتعلق بهذا الكلام ، أي : أنه من تتمة المعنى له . وقال في هذه السورة :
قالَ الْمَلَأُ .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1496 ) ، كتاب الإمارة باب فضل الجهاد ( 105 / 1876 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 316 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة