تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
وأنه من إعمال الأول ، فإنّه قال : فإن قلت : إلام يرجع الضمير في
« مَنْ آمَنَ بِهِ »
؟ قلت : إلى « كلّ صراط » ، تقديره : توعدون من آمن به وتصدّون عنه ، فوضع الظاهر الذي هو
« سَبِيلِ اللَّهِ »
موضع الضمير ، زيادة في تقبيح أمرهم » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا تعسف وتكلف ، مع عدم الاحتياج إلى تقديم وتأخير ، ووضع ظاهر موضع مضمر ، إذ الأصل خلاف ذلك كله ، ولا ضرورة تدعو إليه ، وأيضا فإنه من إعمال الأول ، وهو مذهب مرجوح . ولو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني وجوبا ، ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة شعر عند بعضهم ، كقوله :
2258 - بعكاظ يعشي النّاظري * ن إذا هم لمحوا شعاعه « 2 »
فأعمل « يعشي » ورفع به « شعاعه » ، وحذف الضمير في « لمحوا » ، تقديره : لمحوه . وأجازه بعضهم بقلة في غير الشعر . والضمير في « به » إمّا ل « كلّ صراط » ، كما تقدم عن أبي القاسم ، وإمّا على
« اللَّهِ »
للعلم به ، وإمّا على
« سَبِيلِ اللَّهِ »
، وجاز ذلك ، لأنه يذكر ويؤنث ، وعلى هذا فقد جمع بين الاستعمالين هنا حيث قال :
« بِهِ »
، قال :
وَتَبْغُونَها عِوَجاً
فأنث ، ومثله :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
« 3 » . وقد تقدم نحو قوله :
تَبْغُونَها عِوَجاً
في آل عمران « 4 » فأغنى عن إعادته . وقوله واذكروا إمّا أن يكون مفعوله محذوفا ، فيكون هذا الظرف معمولا لذلك المفعول ، أي : اذكروا نعمته عليكم في ذلك الوقت ، وإما أن يجعل نفس الظرف مفعولا به ، قاله الزمخشري . وقال ابن عطية : « إن الهاء في
« بِهِ »
يجوز أن تعود على « شعيب » عند من رأى أن القعود على الطرق للرد عن « شعيب » . وهو بعيد ، لأن القائل :
« وَلا تَقْعُدُوا »
هو « شعيب » ، وحينئذ كان التركيب : من آمن بي . والادعاء بأنه من باب الالتفات بعيد جدّا ، إذ لا يحسن أن يقال : يا هذا أنا أقول لك : لا تهن من أكرمه ، أي : من أكرمني . قوله :
« كَيْفَ »
وما في حيّزها معلقة للنظر عن العمل ، فهي وما بعدها في محل نصب على إسقاط الخافض . والنظر - هنا - : التفكر . وكيف خبر
« كانَ »
واجب التقدم . قوله :
وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا .
« طائِفَةٌ »
عطف على
« طائِفَةٌ »
الأولى ، فهي اسم
« كانَ »
، و
« لَمْ يُؤْمِنُوا »
معطوف على
« آمَنُوا »
الذي هو خبر
كانَ »
، عطفت اسما على اسم ، وخبرا على خبر ، ومثله لو قلت : كان عبد اللّه ذاهبا ، وبكر خارجا ، عطفت المرفوع على مثله ، وكذلك المنصوب ، وقد حذف وصف
« طائِفَةٌ »
الثانية ، لدلالة وصف الأولى عليه ، إذا التقدير : وطائفة منكم لم يؤمنوا ، وحذف أيضا متعلق الإيمان في الثانية ، لدلالة الأول عليه ، إذ التقدير : لم يؤمنوا بالذي به . والوصف بقوله :
« مِنْكُمْ »
الظاهر ، والمقدر ، هو الذي سوّغ وقوع
« طائِفَةٌ »
اسما ل
« كانَ »
من حيث إنّ الاسم في هذا الباب كالمبتدأ ، والمبتدأ لا يكون نكرة إلا بمسوّغ تقدم التنبيه عليه . قوله :
فَاصْبِرُوا
يجوز أن يكون الضمير للمؤمنين من قومه ، وأن يكون للكافرين منهم ، وأن يكون للفريقين ، وهذا هو الظاهر ، أمر المؤمنون بالصبر ، ليحصل لهم الظفر والغلبة ، والكافرون مأمورون به ، لينصر اللّه عليهم المؤمنين ، لقوله تعالى :
قُلْ
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 339 ) . ( 2 ) البيت لعاتكة بنت عبد المطلب انظر المغني ( 2 / 611 ) ، التصريح ( 1 / 320 ) ، الهمع ( 2 / 109 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 108 ) . ( 4 ) انظر آية رقم ( 99 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 301 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة