والضمير في :
كَذَّبُوكَ .
الظاهر : عوده على اليهود ، لأنهم أقرب مذكور . وقيل : يعود على المشركين ، لتقدم الكلام معهم في قوله :
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ
« 1 » ، و
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ
« 2 » . وقوله :
ذُو رَحْمَةٍ
جيء بهذه الجملة اسمية ، وبقوله :
وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ
فعلية ، تنبيها على مبالغة سعة الرحمة ، لأن الاسمية أدلّ على الثبوت والتوكيد من الفعلية . وقوله :
عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
يحتمل أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر ، تنبيها على التسجيل عليهم بذلك ، والأصل : ولا يردّ بأسه عنكم . وقال أبو البقاء :
فَإِنْ كَذَّبُوكَ
شرط ، جوابه :
فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ،
والتقدير : فقل يصل عنكم بتأخير العقوبة . وهذا تفسير معنى ، ولا إعراب .
قوله :
وَلا آباؤُنا .
عطف على الضمير المرفوع المتصل ، ولم يأت هنا بتأكيد بضمير رفع منفصل ، ولا فاصل بين المتعاطفين ، اكتفاء بوجود
« لا »
الزائدة للتأكيد فاصلة بين حرف العطف والمعطوف ، وهذا هو على قواعد البصريين ، وأما الكوفيون فلا يشترطون شيئا من ذلك ، وقد تقدم إتقان هذه المسألة « 3 » . وفي هذه الآية لم يؤكد الضمير ، وفي آية النحل أكد ، فقال تعالى :
ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا
« 4 » ، وهناك أيضا قال :
مِنْ دُونِهِ
مرتين ، وهنا قالها مرة واحدة ، فقال الشيخ « 5 » : « لأن لفظ العبادة يصح أن ينسب إلى إفراد اللّه بها ، وهذا ليس بمستنكر ، بل المستنكر عبادة غير اللّه ، أو شيء مع اللّه ، فناسب هنا ذكر
« مِنْ دُونِهِ »
مع العبادة . وأمّا لفظ :
« ما أَشْرَكْنا »
فالإشراك يدل على إثبات شريك ، فلا يتركب مع هذا الفعل لفظ :
« مِنْ دُونِهِ »
، لو كان التركيب في غير القرآن : ما أشركنا من دونه ، لم يصح المعنى . وأما
« مِنْ دُونِهِ »
الثانية فالإشراك يدل على تحريم أشياء ، وتحليل أشياء ، فلم يحتج إلى لفظ
« مِنْ دُونِهِ »
. وأما لفظ العبادة فلا يدل على تحريم شيء ، كما يدل عليه لفظ « أشرك » ، فقيد بقوله : « من دون » ، ولما حذف
« مِنْ دُونِهِ »
هنا ناسب أن يحذف
« نَحْنُ »
ليطرد التركيب في التخفيف » .
قلت : وفي هذا الكلام نظر لا يخفى . وقوله :
مِنْ شَيْءٍ
« مِنْ »
زائدة في المفعول ، أي : ما حرّمنا شيئا .
و
« مِنْ دُونِهِ »
متعلّق ب
« حَرَّمْنا »
« 6 » ، أي : ما حرّمنا من غير إذنه لنا في ذلك . و
« كَذلِكَ »
نعت لمصدر محذوف ، أي : مثل : التكذيب المشار إليه في قوله :
« فَإِنْ كَذَّبُوكَ »
. وقرىء « كذب » بالتخفيف . وقوله :
« حَتَّى ذاقُوا
غاية لامتداد التكذيب أو الكذب . وقوله :
« مِنْ عِلْمٍ »
يحتمل أن يكون مبتدأ ، . و
« عِنْدَكُمْ »
خبر مقدم ، وأن يكون فاعلا بالظرف ، لاعتماده على الاستفهام ، و
« مِنْ »
زائدة على كلا التقديرين . وقرأ النخعيّ وابن وثاب : « إن يتّبعون » بياء الغيبة . قال ابن عطية : « وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله :
« وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ »
. « يعني أنه أتى بعدها بالخطاب ، فتعدت الغيبة ، وقد يجاب عنه بأن ذلك من باب الالتفات » .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 143 ) .
( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 144 ) .
( 3 ) عن آية ( 35 ) من سورة البقرة .
( 4 ) آية ( 35 ) .
( 5 ) انظر البحر ( 4 / 246 ) .
( 6 ) في آية النحل ( 35 ) .