تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
ف « أنّ » في هذه المواضع كلّها بمعنى « لعلّ » . قالوا : ويدل على ذلك أنها في مصحف أبيّ ، وقراءته « وما أدراكم لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون » ، ونقل عنه : « وما يشعركم لعلّها إذا جاءت » ، ذكر ذلك أبو عبيد وغيره ، ورجحوا ذلك أيضا بأن « لعلّ » قد كثر وروده في مثل هذا التركيب كقوله تعالى :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
« 1 » ،
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
« 2 » وممن جعل « أنّ » بمعنى « لعلّ » أيضا يحيى بن زياد الفراء ، ورجّح الزجاج ذلك ، فقال : « زعم سيبويه عن الخليل أن معناها : لعلّها » « 3 » ، قال : وهذا الوجه أقوى في العربية وأجود . ونسب القراءة لأهل المدينة ، وكذا أبو جعفر . قلت : وقراءة الكوفيين والشاميين أيضا ، إلا أن أبا على الفارسي ضعّف هذا القول الذي استجوده الناس وقووه تخريجا لهذه القراءة ، فقال : التوقع الذي تدل عليه « لعلّ » لا يناسب قراءة الكسر ، لأنها تدل على حكمه تعالى عليهم بأنهم لا يؤمنون - ولكنه لما منع كونها بمعنى « لعلّ » لم يجعلها معمولة ل
« يُشْعِرُكُمْ »
، بل جعلها على حذف لام العلة ، أي : لأنها ، والتقدير عنده : قل إنّما الآيات عند اللّه ، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون ، فهو لا يأتي بها لإصرارهم على كفرهم ، فيكون نظير :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
أي : بالآيات المقترحة - وعلى هذا فيكون قوله :
« وَما يُشْعِرُكُمْ »
اعتراضا بين العلة والمعلول . الثاني : أن تكون
« لا »
مزيدة . وهذا رأي الفراء ، وشيخه ، قال : « ومثله :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
« 4 » . فيكون التقدير : وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون ، والمعنى على هذا أنها لو جاءت لم يؤمنوا ، وإنما حملهما على زيادتها ما تقدم من أنها لو لم تقدر زائدة لكان ظاهر الكلام عذرا للكفار ، وأنهم يؤمنون ، كما عرفت تحقيقة أولا ، إلا أن الزجاج نسب ذلك إلى الغلط ، فقال : « والذي ذكر أن
« لا »
لغو غالط ، لأن ما يكون لغوا لا يكون غير لغو . ومن قرأ بالكسر فالإجماع على أن
« لا »
غير لغو ، فليس يجوز أن يكون معنى لفظة مرّة النفي ومرة الإيجاب في سياق واحد . وانتصر الفارسي لقول الفراء ، ونفي عنه الغلط ، فإنّه قال : يجوز أن تكون
« لا »
في تأويل زائدة ، وفي تأويل غير زائدة ، كقول الشاعر :
2043 - أبى جوده لا البخل واستعجلت به * نعم من فتى لا يمنع الجود نائله « 5 »
ينشد بالوجهين ، أي : ينصب « البخل » وجره ، فمن نصبه كانت زائدة ، أي : أبى جوده البخل . ومن خفض كانت غير زائدة ، وأضاف « لا » إلى « البخل » . قلت : وعلى تقدير النصب لا يلزم زيادتها ، لجواز أن تكون « لا » مفعولا بها ، و « البخل » بدل منها ، أي : أبى جوده لفظ « لا » ، ولفظ « لا » هو بخل ، وقد تقدم لك طرف من هذا محققا عند قوله تعالى :
وَلَا الضَّالِّينَ
« 6 » في أوائل هذا الموضوع ، وسيمر بك مواضع منها ، كقوله تعالى :
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ
« 7 » ، قالوا : تحتمل الزيادة وعدمها ، وكذا :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
« 8 » ،
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ .
الثالث : أن الفتح على تقدير لام العلة ، والتقدير : إنما الآيات التي يقترحونها عند اللّه ، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون ،
« وَما يُشْعِرُكُمْ »
اعتراض ، كما تقدم تحقيق ذلك عن أبي علي ، فأغنى عن إعادته ، وصار المعنى :
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، آية ( 17 ) . ( 2 ) سورة عبس ، آية ( 3 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 3 / 123 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 12 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) سورة الفاتحة ، آية ( 7 ) . ( 7 ) سورة الأنبياء ، آية ( 95 ) . ( 8 ) سورة الأعراف ، آية ( 12 ) .