« إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
، أي المقترحة ، لا يأتي بها لانتفاء إيمانهم ، وإصرارهم على كفرهم .
الرابع : أن في الكلام حذف معطوف على ما تقدم . قال أبو جعفر في معانيه : وقيل في الكلام حذف ، المعنى : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ، فحذف هذا للعلم من السامع . وقدّره غيره : ما يشعركم بانتفاء الإيمان أو وقوعه .
الخامس : أن « لا » غير مزيدة ، وليس في الكلام حذف ، بل المعنى : وما يدريكم انتفاء إيمانهم ، ويكون هذا جوابا لمن حكم عليهم بالكفر أبدا ، ويئس من إيمانهم . وقال الزمخشري : وما يشعركم : وما يدريكم أنها ، أي : أن الآيات التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بها ، يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها ، وأنتم لا تدرون بذلك . وذلك أن المؤمنين كانوا حريصين على إيمانهم وطامعين فيه ، إذا جاءت تلك الآيات ويتمنون مجيئها ، فقال عزّ وجلّ : وما يدريكم أنهم لا يؤمنون ، على معنى : أنكم لا تدرون ما سبق علمي بهم أنهم لا يؤمنون ، ألا ترى إلى قوله :
كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
« 1 » انتهى . قلت : بسط قوله : « أنهم كانوا يطمعون في إيمانهم » ما جاء في التفسير أن المشركين قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنزل علينا الآية التي قال اللّه فيها :
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
« 2 » ، ونحن واللّه نؤمن فأنزل اللّه تعالى :
وَما يُشْعِرُكُمْ
إلى آخرها ، وهذا الوجه هو اختيار الشيخ ، فإنّه قال : « ولا يحتاج الكلام إلى زيادة « لا » ، ولا إلى هذا الإضمار - يعني حذف المعطوف - ولا إلى « أنّ » بمعنى « لعلّ » ، وهذا كله خروج من الظاهر لغير ضرورة ، بل حمله على الظاهر أولى ، وهو واضح سائغ ، أي : وما يشعركم ويدريكم بمعرفة انتفاء إيمانهم ، لا سبيل لكم إلى الشعور بها » .
السادس : أنّ
« ما »
حرف نفي ، يعني أنه نفى شعورهم بذلك ، وعلى هذا فليطلب ل « يشعركم » فاعل ، فقيل : هو ضمير اللّه تعالى ، أضمر للدلالة عليه ، وفيه تكلف بعيد ، أي : وما يشعركم اللّه أنّها إذا جاءت الآيات المقترحة لا يؤمنون . وقد تقدم في البقرة كيفية قراءة أبي عمرو ل
« يُشْعِرُكُمْ »
و « ينصركم » ونحوهما عند قوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
« 3 » ، وحاصلها ثلاثة أوجه : الضم الخالص والاختلاس والسكون المحض ، وقرأ الجمهور
« لا يُؤْمِنُونَ »
بياء الغيبة ، وابن عامر وحمزة بتاء الخطاب ، وقرآ أيضا في الجاثية : فبأيّ حديث بعد اللّه وآياته تؤمنون بالخطاب ، وافقهما عليها الكسائي ، وأبو بكر عن عاصم . والباقون بالياء للغيبة ، فتحصل من ذلك أنّ ابن عامر وحمزة يقرآن بالخطاب في الموضعين ، وأن نافعا وابن كثير وأبا عمرو وحفصا عن عاصم بالغيبة في الموضعين ، وأن الكسائي وأبا بكر عن عاصم بالغيبة هنا ، وبالخطاب في الجاثية ، فقد وافقا أحد الفريقين في إحدى السورتين والآخر في أخرى . فأما قراءة الخطاب هنا فيكون الظاهر في الخطاب في قوله :
« وَما يُشْعِرُكُمْ »
أنه للكفار ، ويتضح معنى هذه القراءة على زيادة
« لا »
أي : « وما يشعركم أنكم تؤمنون إذا جاءت الآيات التي طلبتموها كما أقسمتم عليه ، ويتضح أيضا على كون « أنّ » بمعنى « لعلّ » مع كون
« لا »
نافية وعلى كونها علة بتقدير حذف اللام ، أي : إنّما الآيات عند اللّه فلا يأتيكم بها ، لأنها إذ جاءت لا يؤمنون بها ، ويتضح أيضا على كون المعطوف محذوفا ، أي : وما يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءت الآيات ، أو وقوعه ، لأن مآل أمركم مغيب عنكم ، فكيف تقسمون على الإيمان عند مجيء الآيات ؟ وإنّما يشكل إذا جعلنا « أنّ » معمولة ل
« يُشْعِرُكُمْ »
وجعلنا
« لا »
نافية غير زائدة ، إذ يكون المعنى :
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 110 ) .
( 2 ) سورة الشعراء ، آية ( 4 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 67 ) .