النبي وتلاه وكرر عليه ، أو بمعنى : بلى الكتاب وامّحى ، وهكذا في مصحف عبد اللّه « درس » . وقرأ الحسن في رواية « درسن » فعلا ماضيا مسندا لنون الإناث ، هي ضمير الآيات ، وكذا هي في بعض مصاحف ابن مسعود . وقرىء « درّسن » كالذي قبله ، إلّا أنه بالتشديد بمعنى اشتدد دروسها وبلاها ، كما تقدم . وقرىء « دارسات » جمع :
دارسة ، بمعنى قديمات ، أو بمعنى : ذات دروس ، نحو :
عِيشَةٍ راضِيَةٍ
« 1 » ، و
ماءٍ دافِقٍ
« 2 » ، وارتفاعها على خبر ابتداء مضمر ، أي : هي دارسات ، والجملة في محل نصب بالقول قبلها . وقوله :
« وَلِنُبَيِّنَهُ »
تقدم أن هذا عطف على ما قبله ، فحكمه حكمه ، وفي الضمير المنصوب أربعة احتمالات :
أحدها : أنه يعود على
« الْآياتِ »
وجاز ذلك ، وإن كانت مؤنثة ، لأنها بمعنى القرآن .
الثاني : أنه يعود على
« الْكِتابُ » *
، لدلالة السياق عليه ، ويقوي هذا أنه فاعل ل « درس » في قراءة من قرأه كذلك .
الثالث : أنه يعود على المصدر المفهوم من
« نُصَرِّفُ »
أي : نبين التصريف .
الرابع : أن يعود على المصدر المفهوم من
« لِنُبَيِّنَهُ »
أي : نبين التبيين ، نحو : « ضربته زيدا » أي : ضربت الضرب زيدا . و
« لِقَوْمٍ »
متعلق بالفعل قبله . و
« يَعْلَمُونَ »
في محل جر صفة للنكرة قبلها .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 106 إلى 108 ]
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 )
وقوله :
ما أُوحِيَ .
يجوز أن تكون
« ما »
اسمية ، والعائد هو القائم مقام الفاعل ، و
« إِلَيْكَ »
فضلة . وأجازوا أن تكون مصدرية ، والقائم مقام الفاعل حينئذ الجار والمجرور ، أي : الإيحاء الجائي من ربّك ، و
« مِنْ »
لابتداء الغاية مجازا ، ف
« مِنْ رَبِّكَ »
متعلق ب
« أُوحِيَ »
، وقيل : بل هو حال من
« ما »
نفسها ، وقيل : بل هو حال من الضمير المستتر في
« أُوحِيَ »
، وهو بمعنى ما قبله . قوله :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
جملة معترضة بين هاتين الجملتين الأمريتين ، هذا هو الأحسن . وجوز أبو البقاء أن تكون حالا من ربّك ، وهي حال مؤكدة ، تقديره : من ربّك منفردا .
وقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ .
مفعول المشيئة محذوف ، أي : لو شاء اللّه إيمانهم ، وقد تقدم « 3 » أنه لا يذكر إلّا لغرابته . وقوله :
« جَعَلْناكَ »
هي بمعنى « صيّر » فالكاف مفعول أول ، و
« حَفِيظاً »
هو الثاني ، و
« عَلَيْهِمْ »
متعلّق به ، قدم للاهتمام أو للفواصل .
ومفعول « حفيظ » محذوف ، أي : حفيظا عليهم أعمالهم . قال أبو البقاء : « وهذا يؤيد قول سيبويه « 4 » في إعمال
هامش
( 1 ) سورة القارعة ، آية ( 7 ) .
( 2 ) سورة الطارق ، آية ( 6 ) .
( 3 ) انظر الآية ( 20 ) من سورة البقرة .
( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 112 - 114 ) .