وقرأ عبد اللّه وابن أبي عبلة « ودّت » بلفظ الماضي ، وعلى هذه القراءة يجوز في
« ما »
وجهان :
أحدهما : أن تكون شرطية ، وفي محلّها حينئذ احتمالان : الأول النصب بالفعل بعدها ، والتقدير : أيّ شيء عملت من سوء ودّت ، فودّت جواب الشرط .
والاحتمال الثاني : الرفع على الابتداء ، والعائد على المبتدأ محذوف تقديره : وما عملته ، وهذا جائز في اسم الشرط خاصة عند الفراء في فصيح الكلام ، أعني حذف عائد المبتدأ إذا كان منصوبا بفعل نحو : « أيّهم تضرب أكرمه » برفع أيهم ، وإذا كان المبتدأ غير ضعف نحو : « زيد ضربت » . وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في موضعين من القرآن :
أحدهما قراءة من قرأ :
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ »
« 1 » .
والثاني :
« وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى »
« 2 » في الحديد ، واختلاف الناس في ذلك .
الوجه الثاني من وجهي
« ما »
أن تكون موصولة بمعنى : الذي عملته من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ، ومحلّها على هذا رفع بالابتداء ، و « ودّت » الخبر ، واختاره الزمخشري فإنه قال : « لكنّ الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ، وأثبت لموافقة قراءة العامة » . انتهى .
فإن قلت لم لم يمتنع أن تكون « ما » شرطية على هذه القراءة كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة ؟ فالجواب أنّ العلة إن كانت رفع الفعل وعدم جزمه كما قال به الزمخشري وابن عطية فهي مفقودة في هذه القراءة لأن الماضي مبنيّ اللفظ لا يظهر فيه لأداة الشرط عمل ، وإن كانت العلة أنّ النية به التقديم فيلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، فهي أيضا مفقودة فيها ؛ إذ لا داعي يدعو لذلك .
و
« لَوْ »
هنا على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، وعلى هذا ففي الكلام حذفان :
أحدهما : حذف مفعول « يود » .
والثاني : حذف جواب
« لَوْ »
، والتقدير فيهما : تود تباعد ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا لسرّت بذلك ، أو لفرحت ونحوه . والخلاف في
« لَوْ »
بعد فعل الودادة وما بمعناه أنها تكون مصدرية - كما تقدم تحريره في البقرة - يبعد مجيئه هنا ، لأنّ بعدها حرفا مصدريا وهو أن :
قال الشيخ « 3 » : « ولا يباشر حرف مصدري حرفا مصدريا إلا قليلا ، كقوله تعالى :
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
« 4 » قلت : قوله
« إِلَّا قَلِيلًا » *
يشعر بجوازه وهو لا يجوز البتة ، فأمّا ما أورده من الآية الكريمة فقد نصّ النحاة على أن « ما » زائدة . وقد تقدّم الكلام في
« أَنَّ »
الواقعة بعد «
لَوْ
» هذه : هل محلّها الرفع على الابتداء والخبر محذوف كما ذهب إليه سيبويه « 5 » ، أو أنها في محل رفع بالفاعلية بفعل مقدر أي : لو ثبت أنّ بينها ؟ وما قال الناس في ذلك .
وقد زعم بعضهم أنّ
« لَوْ »
هنا مصدرية ، وهي ما في حيّزها في موضع المفعول ل
« تَوَدُّ »
، أي : تود تباعد ما بينها وبينه ، وفيه ذلك الإشكال ، وهو دخول حرف مصدري على مثله ، ولكنّ المعنى على تسلّط الودادة على
« لَوْ »
وما في حيّزها لولا المانع الصناعي .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 50 ) .
( 2 ) سورة الحديد ، آية ( 10 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 430 .
( 4 ) سورة الذاريات ، آية ( 23 ) .
( 5 ) انظر الكتاب 1 / 410 .