موضعه ، وإنما يقال مقدم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه ، وتجري هذه الجملة مجرى الاعتراض » .
الوجه الثاني : أن
« إِنَّ »
بمعنى نعم فهي حرف جواب ، ولا محلّ لها حينئذ ، وعلى هذا فما بعدها مرفوع المحلّ على الابتداء ، وما بعده معطوف عليه بالرفع ، وخبر الجميع قوله :
« مَنْ آمَنَ »
إلى آخره ، وكونها بمعنى « نعم » قول مرجوح ، قال به بعض النحويين ، وجعل من ذلك قوله تعالى :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
« 1 » في قراءة من قرأه بالألف ، وفي الآية كلام طويل يأتي إن شاء اللّه تعالى في موضعه ، وجعل منه أيضا قول عبد اللّه بن الزبير : « إنّ وصاحبها » جوابا لمن قال له : « لعن اللّه ناقة حملتني إليك » أي : نعم وصاحبها ، وجعل منه قول الآخر :
1780 - برز الغواني في الشّبا * ب يلمنني وألومهنّه « 2 »
ويقلن شيب قد علا * ك وقد كبرت فقلت إنّه
أي : نعم والهاء للسكت ، وأجيب بأنّ الاسم والخبر محذوفان في قول ابن الزبير ، وبقي المعطوف على الاسم دليلا عليه ، والتقدير : إنها وصاحبها ملعونان ، وتقدير البيت : إنه كذلك ، وعلى تقدير أن تكون بمعنى « نعم » فلا يصحّ هنا جعلها بمعناها ؛ لأنها لم يتقدّمها شيء تكون جوابا له ، و « نعم » لا تقع ابتداء كلام ، إنما تقع جوابا لسؤال فتكون تصديقا له . ولقائل أن يقول : « يجوز أن يكون ثمّ سؤال مقدر ، وقد ذكروا ذلك في مواضع كثيرة منها قوله تعالى :
لا أُقْسِمُ
« 3 »
لا جَرَمَ
« 4 » ، قالوا : يحتمل أن يكون ردّا لقائل كيت وكيت .
الوجه الثالث : أن يكون معطوفا على الضمير المستكنّ في
« هادُوا »
أي : هادوا هم والصابئون ، وهذا قول الكسائي ، وردّه تلميذه القراءة والزجاج قال الزجاج : « هو خطأ من جهتين » ، إحداهما : أن الصابىء في هذا القول يشارك اليهودي في اليهودية ، وليس كذلك ، فإن الصابىء هو غير اليهودي ، وإن جعل
« هادُوا »
بمعنى تابوا من قوله تعالى :
إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
« 5 » لا من اليهودية ، ويكون المعنى : تابوا هم والصابئون ، فالتفسير قد جاء بغير ذلك ؛ لأنّ معنى
« الَّذِينَ آمَنُوا »
في هذه الآية إنما هو إيمان بأفواههم لأنه يريد به المنافقين ، لأنه وصف الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ثم ذكر اليهود والنصارى فقال : من آمن منهم باللّه فله كذا ، فجعلهم يهودا ونصارى ، فلو كانوا مؤمنين لم يحتج أن يقال : « من آمن فلهم أجرهم » . قلت : هذا على أحد القولين أعني أن
« الَّذِينَ آمَنُوا »
مؤمنون نفاقا .
وردّه أبو البقاء ومكي ابن أبي طالب بوجه آخر وهو عدم تأكيد الضمير المعطوف عليه . قلت : هذا لا يلزم الكسائي ، لأنّ مذهبه عدم اشتراط ذلك ، وإن كان الصحيح الاشتراط ، نعم يلزم الكسائي من حيث إنه قال بقول تردّه الدلائل الصحيحة ، واللّه أعلم . وهذا القول قد نقله مكي عن الفراء ، كما نقله غيره عن الكسائي ، وردّ عليه بما تقدّم .
فيحتمل أن يكون الفراء كان يوافق الكسائي ثم رجع ، ويحتمل أن يكون مخالفا له ثم رجع إليه ، وعلى الجملة فيجوز أن يكون له في المسألة قولان .
الوجه الرابع : أنه مرفوع نسقا على محلّ اسم
« إِنَّ »
لأنه قبل دخولها مرفوع بالابتداء ، فلمّا دخلت عليه لم تغيّر
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآية ( 63 ) .
( 2 ) البيتان لابن قيس الرقيات انظر ديوانه ( 66 ) ، الكتاب ( 1 / 475 ) ، ابن يعيش ( 3 / 130 ) ، المغني ( 37 ) ، ابن الشجري ( 1 / 322 ) .
( 3 ) سورة القيامة ، الآية ( 1 ) .
( 4 ) سورة هود ، الآية ( 22 ) .
( 5 ) سورة الأعراف ، الآية ( 156 ) .