ومعناه : أنّ شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة والمتانة إلى حيث متى قيل إنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يزاد عليها ، وهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه ، فكذا هنا كأنه قال : فإن لم تبلّغ رسالاته فما بلّغت رسالاته ، يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ ، فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد والوعيد .
قال الشيخ « 1 » : « وما ضعّف به جواب الجمهور لا يضعف به لأنه قال : « فإن قيل إنه ترك الكل كان كذبا » ولم يقولوا ذلك ، إنما قالوا إنّ بعضها ليس أولى بالأداء من بعض ، فإن لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعها ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلّها لإدلاء كل منها بما يدلي به غيرها ، وكونها كذلك في حكم شيء واحد ، والشيء الواحد لا يكون مبلّغا غير مبلّغ مؤمنا به غير مؤمن به ، فصار ذلك التبليغ للبعض غير معتدّ به » .
قلت : هذا الكلام الأنيق أعني ما وقع به الجواب عن اعتراض الرازي كلام الزمخشري أخذه ونقله إلى هنا . وتمام كلام الزمخشري أن قال بعد قوله : « غير مؤمن » وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : « إن كتمت آية لم تبلّغ رسالاتي » وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « بعثني اللّه برسالاته فضقت بها ذرعا ، فأوحى اللّه إليّ إن لم تبلّغ رسالاتي عذّبتك وضمن لي العصمة فقويت » . قال الشيخ : « وأما ما ذكر من أن مقدار الجرم في ترك البعض مثل الجرم في ترك الكل محال ممتنع فلا استحالة فيه ؛ لأن للّه تعالى أن يرتّب على الذنب اليسير العقاب العظيم وبالعكس ، ثم مثّل بالسارق الآخذ خفية يقطع ويردّ ما أخذ ، وبالغاصب يؤخذ منه ما أخذ دون قطع .
وقال الواحدي : « أي : إن يترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلّغ ، لأنّ تركه البعض محبط لإبلاغ ما بلّغ ، وجرمه في كتمان البعض كجرمه في كتمان الكل في أنه يستحقّ العقوبة من ربّه ، وحاشا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكتم شيئا ممّا أوحى اللّه إليه ، وقد قالت عائشة رضي اللّه عنها : « من زعم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد أعظم على اللّه الفرية ، واللّه تعالى يقول :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
لو كتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا من الوحي لكتم قوله تعالى :
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
الآية . وهذا قريب من الأجوبة المتقدمة . هذا ما وقفت عليه في الجواب في هذه الآية الكريمة . ونظير هذه الآية في السؤال المتقدم الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب : « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله » « 2 » : فإنّ نفس الجواب هو نفس الشرط ، وأجابوا عنه بأنه لا بد من تقدير تحصل به المغايرة فقالوا : « تقديره : فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى اللّه ورسوله حكما وشرعا ، ويمكن أن يأتي فيه جواب الرازي الذي اختاره .
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر : « رسالاته » جمعا ، والباقون :
« رِسالَتَهُ »
بالتوحيد . ووجه الجمع أنه عليه السّلام بعث بأنواع شتى من الرسالة كأصول التوحيد والأحكام على اختلاف أنواعها ، والإفراد واضح لأنّ اسم الجنس المضاف يعمّ جميع ذلك ، وقد قال بعض الرسل :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
« 3 » ، وبعضهم قال :
« رسالة ربي » « 4 » اعتبارا للمعنيين .
هامش
الشجري ( 1 / 224 ) ، الهمع ( 1 / 60 ) ، ابن يعيش ( 1 / 98 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 35 ) .
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 529 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 1 / 9 ) ، كتاب بدء الوحي ( 1 ) ، ومسلم ( 3 / 1515 ) ، كتاب الإمارة ( 155 / 1907 ) .
( 3 ) سورة الأعراف ، الآية ( 62 ) .
( 4 ) سورة الأعراف ، الآية ( 79 ) .