قوله تعالى :
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ :
مفعول الأكل هنا محذوف اقتصارا ، أي لوجد منهم هذا الفعل . و
« مِنْ فَوْقِهِمْ »
متعلق به أي : لأكلوا من الجهتين . وقال أبو البقاء : « إنّ
« مِنْ فَوْقِهِمْ »
صفة لمفعول محذوف أي : « لأكلوا رزقا كائنا من فوقهم » . وقوله
« مِنْهُمْ »
خبر مقدم ، و
« أُمَّةٌ »
مبتدأ ، و
« مُقْتَصِدَةٌ »
صفتها ، وعلى رأي الأخفش يجوز أن تكون
« أُمَّةٌ »
فاعلا بالجار . وقوله :
« مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ »
تنويع في التفصيل ، فأخبر في الجملة الأولى بالجار والمجرور ، ووصف المبتدأ بالاقتصاد ، ووصف المبتدأ في الجملة الثانية ب
« مِنْهُمْ »
، وأخبر عنه بجملة قوله :
« ساءَ ما يَعْمَلُونَ »
، وذلك لأنّ الطائفة الأولى ممدوحة فوصفوا بالاقتصاد ، وأخبر عنهم بأنهم من جملة أهل الكتاب فإنّ الوصف ألزم من الخبر ، فإنهم إذا أسلموا زال عنهم هذا الاسم ، وأما الطائفة الثانية فإنهم وصفوا بكونهم من أهل الكتاب فإنّ الوصف ألزم وهم كفار فهم منهم ، وأخبر عنهم بالجملة الذّمّيّة فإن الخبر ليس بلازم ، وقد يسلم منهم ناس فيزول عنهم الإخبار بذلك .
و
« ساءَ »
هذه يجوز فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون تعجبا كأنه قيل : ما أسوأ عملهم ، ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه ، ولكن النحاة لمّا ذكروا صيغ التعجب لم يعدّوا فيها
« ساءَ »
، فإن أراد من جهة المعنى لا من [ جهة ] التعجب المبوب له في النحو فقريب .
الثاني : أنها بمعنى « بئس » فتدلّ على الذّمّ كقوله تعالى : « ساء مثلا القوم » ، وعلى هذين القولين ف
ساءَ »
غير منصرفة ، لأن التعجب والمدح والذم لا تتصرّف أفعالهما .
الثالث : أن تكون
« ساءَ »
المنصرفة نحو : ساء يسوء ، ومنه
لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ
« 1 »
سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 2 » ، والمتصرفة متعدية ، قال تعالى :
لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ
فأين مفعول هذه ؟ قيل : هو محذوف تقديره :
ساء عملهم المؤمنين ، والتي بمعنى « بئس » لا بد لها من مميّز ، وهو هنا محذوف تقديره : ساء عملا الذي كانوا يعملونه والحرب مؤنثة ، وهي في الأصل مصدر ، وقد تقدّم الكلام عليها في البقرة « 3 » .
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ :
ناداه بأشرف الصفات البشرية . وقوله :
« بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ »
وهو قد بلّغ ! ! فأجاب الزمخشري بأن المعنى : جميع ما أنزل إليك ، أي : أيّ شيء أنزل غير مراقب في تبليغه أحدا ولا خائف أن ينالك مكروه » . وأجاب ابن عطية بقريب منه ، قال : « أمر رسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال ، لأنه كان قد بلّغ » ، وأجاب غيرهما بأنّ المعنى على الديمومة كقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
« 4 »
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا
« 5 » ، وإنما ذكرت هذا لأنه ينفع في سؤال سيأتي .
وقوله :
ما
يحتمل أن تكون اسمية بمعنى الذي ، ولا يجوز أن تكون نكرة موصوفة لأنه مأمور بتبليغ الجميع كما مرّ ، والنكرة لا تفي بذلك فإن تقديرها : « بلّغ شيئا أنزل إليك » ، وفي
« أُنْزِلَ »
ضمير مرفوع يعود على ما قام مقام الفاعل ، وتحتمل على بعد أن تكون
« ما »
مصدرية ، وعلى هذا فلا ضمير في
« أُنْزِلَ »
لأنّ
« ما »
المصدرية حرف
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية ( 7 ) .
( 2 ) سورة الملك ، الآية ( 27 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 279 ) .
( 4 ) سورة الأحزاب ، الآية ( 1 ) .
( 5 ) سورة النساء ، الآية ( 136 ) .