والرابع : أنه جمع عباد ، وعباد جمع « عبد » ، فيكون أيضا جمع الجمع مثل « ثمار » هو جمع « ثمرة » ثم يجمع على « ثمر » ، وهذا لأنّ عبادا وثمارا جمعين بمنزلة كتاب مفردا ، وكتاب يجمع على كتب فكذلك ما وازنه .
وقرأ الأعمش : « وعبّد » بضمّ العين وتشديد الباء مفتوحة وفتح الدال ، « الطاغوت » بالجرّ ، وهي جمع عابد كضرّب في جمع ضارب وخلّص في جمع خالص . وقرأ ابن مسعود أيضا في رواية علقمة : « وعبد الطاغوت » بضمّ العين وفتح الباء والدال ، و « الطاغوت » جرّا ، وتوجيهها أنه بناء مبالغة كحطم ولبد ، وهو اسم جنس مفرد يراد به الجمع ، والقول فيه كالقول في قراءة حمزة وقد تقدّمت .
وقرأ ابن مسعود في رواية علقمة أيضا : « وعبّد الطاغوت » بضمّ العين وبشد الباء مفتوحة وفتح الدال ونصب
« الطَّاغُوتَ »
، وخرّجها ابن عطية على أنها جمع عابد كضرّب في جمع ضارب ، وحذف التنوين من « عبدا » لالتقاء الساكنين كقوله :
1764 - . . . * ولا ذاكر اللّه إلّا قليلا « 1 »
قال : « وقد تقدّم نظيره » ، يعني قراءة : « وعبد الطاغوت » بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء ، وكان ذكر لها تخريجين ، أحدهما هذا ، والآخر لا يمكن وهو تسكين عين الماضي . وقرأ بريدة الأسلمي فيما نقله عنه ابن جرير : « وعابد الشيطان » بنصب « عابد » وجرّ « الشيطان » بدل الطاغوت وهو تفسير لا قراءة . وقرأ أبو واقد الأعرابي : « وعبّاد » بضمّ العين وتشديد الباء بعدها ألف ونصب الدال ، والطاغوت بالجر ، وهي جمع عابد كضرّاب في ضارب .
وقرأ بعض البصريين : « وعباد الطاغوت » بكسر العين ، وبعد الباء المخففة ألف ، ونصب الدال وجرّ « الطاغوت » ، وفيها قولان :
أحدهما : أنه جمع عابد كقائم وقيام ، وصائم وصيام .
والثاني : أنها جمع عبد ، وأنشد سيبويه :
1765 - أتوعدني بقومك يا بن حجل * أشابات يخالون العبادا « 2 »
قال ابن عطية : « وقد يجوز أن يكون جمع « عبد » ، وقلما يأتي « عباد » مضافا إلى غير اللّه تعالى ، وأنشد سيبويه : « أتوعدني » البيت قال أبو الفتح : يريد عباد آدم عليه السّلام ، ولو أراد عباد اللّه فليس ذلك بشيء يسبّ به أحد ، فالخلق كلّهم عباد اللّه » قال ابن عطية : « وهذا التعليق بآدم شاذّ بعيد والاعتراض باق ، وليس هذا ممّا تخيّل الشاعر قصده ، وإنما أراد العبيد فساقته القافية إلى العباد ، إذ قد يقال لمن يملكه ملكا ما ، وقد ذكر أن عرب الحيرة سمّوا عبادا لدخولهم في طاعة كسرى فدانتهم مملكته » قلت : قد اشتهر في ألسنة الناس أن « عبدا » المضاف إلى اللّه تعالى يجمع على « عباد » وإلى غيره على « عبيد » ، وهذا هو الغالب ، وعليه بنى أبو محمد .
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 153 ) ، المحتسب ( 1 / 215 ) ، ابن الشجري ( 1 / 66 ) .