تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
إذ يصير التقدير : من بعد أن ظلمه ، ولو صرّح بهذا الأصل لم يجز لأنه يؤدي إلى تعدّي فعل المضمر إلى ضميره المتصل ، وذلك لا يجوز إلا في باب ظن وفقد وعدم ، كذلك قاله الشيخ « 1 » ، وفي نظره نظر ، لأنّا إذا حللنا المصدر لحرف مصدري وفعل فإنما يأتي بعد الفعل بما يصحّ تقديره ، وهو لفظ النفس ، أي من بعد أن ظلم نفسه . قوله تعالى :
لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ :
قد تقدّم « 2 » أنّ « يحزن » يقرأ بفتح الياء وضمّها وأنهما لغتان ، وهل هما بمعنى أو بينهما فرق ؟ والنهي للذين في الظاهر وهو من باب قوله : « لا أرينّك ههنا » أي : لا تتعاط أسبابا يحصل لك بها حزن من جهتهم ، وتقدم لك تحقيق ذلك مرارا ، وقول أبي البقاء في
« يَحْزُنْكَ »
: « والجيد فتح الياء وضم الزاي ، ويقرأ بضم الياء وكسر الزاي من أحزنني وهي لغة » ليس بجيد ، لأنها قراءة متواترة ، وقد تقدّم دليلها في آل عمران « 3 » . و
« يُسارِعُونَ »
من المسارعة ، و
« فِي الْكُفْرِ »
متعلق بالفعل قبله ، وقد تقدّم نظيرها في آل عمران . قوله :
« مِنَ الَّذِينَ قالُوا »
يجوز أن يكون حالا من الفاعل في
« يُسارِعُونَ »
أي : يسارعون حال كونهم بعض الذين قالوا ، ويجوز أن يكون حالا من نفس الموصول وهو قريب من معنى الأول ، ويجوز أن تكون
« مِنَ »
بيانا لجنس الموصول الأول وكذلك
« مِنَ »
الثانية ، فتكون تبيينا وتقسيما للذين يسارعون في الكفر ، ويكون
« سَمَّاعُونَ »
على هذا خبر مبتدأ . و
« آمَنَّا »
منصوب ب
« قالُوا »
، وب « أفواههم » متعلق ب
« قالُوا »
لا ب
« آمَنَّا »
بمعنى أنه لم يجاوز قولهم أفواههم ، إنما نطقوا به غير معتقدين له بقلوبهم وقوله :
« وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ »
جملة حالية . قوله :
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا
فيه وجهان : أحدهما : ما تقدم ، وهو أن يكون معطوفا على
« مِنَ الَّذِينَ قالُوا »
بيانا وتقسيما . والثاني : أن يكون خبرا مقدما ، و
« سَمَّاعُونَ »
مبتدأ ، والتقدير : « ومن الذين هادوا قوم سمّاعون » فتكون جملة مستأنفة ، إلا أنّ الوجه الأول مرجّح بقراءة الضحاك : « سمّاعين » على الذم بفعل محذوف ، فهذا يدل على أن الكلام ليس جملة مستقلة ، بل قوله :
« وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا »
عطف على
« مِنَ الَّذِينَ قالُوا »
. وقوله
« سَمَّاعُونَ »
مثال مبالغة ، و
« لِلْكَذِبِ »
فيه وجهان : أحدهما : أن اللام زائدة ، و « الكذب » هو المفعول ، أي : سمّاعون الكذب ، وزيادة اللام هنا مطردة لكون العامل فرعا فقوي باللام ، ومثله :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
« 4 » . والثاني : أنها على بابها من التعليل ، ويكون مفعول
« سَمَّاعُونَ »
محذوفا ، أي : سمّاعون أخباركم وأحاديثكم ليكذبوا فيها بالزيادة والنقص والتبديل بأن يرجفوا بقتل المؤمنين في السرايا كما نقل من مخازيهم . وقوله :
« سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ »
يجوز أن تكون هذه تكريرا للأولى ، فعلى هذا يجوز أن يتعلّق قوله
« لِقَوْمٍ »
بنفس الكذب أي : يسمعون ليكذبوا لأجل قوم ، ويجوز أن تتعلق اللام بنفس
« سَمَّاعُونَ »
أي : سمّاعون لأجل قوم لم يأتوك لبغضهم لا يقربون مجلسك وهم اليهود ، و
« لَمْ يَأْتُوكَ »
في محلّ جرّ لأنه صفة ل « قوم » . قوله :
يُحَرِّفُونَ
يجوز أن يكون صفة ل
« سَمَّاعُونَ »
أي : سمّاعون محرّفون ، ويجوز أن يكون حالا من
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 484 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 176 ) . ( 3 ) انظر تفسير الآية ( 176 ) . ( 4 ) سورة هود ، الآية ( 107 ) .