ومع هذا الاعتراض الذي ذكره فقد يظهر عنه جواب وهو أنّا نقول : نختار أن يكون الضمير في قوله :
« مَعَهُ »
عائدا على
« مِثْلَهُ »
، ويصير المعنى : مع مثلين ، وهو أبلغ من أن يكون مع مثل واحد ، وقوله : « تركيب عيّ » فهم قاصر . ولا بد من جملة محذوفة قبل قوله :
« ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ »
تقديره : « وبذلوه أو وافتدوا به » ليصحّ التركيب المذكور ، إذ لا يترتب على استقرار ما في الأرض جميعا ومثله معه لهم عدم التقبل ، إنما يترتب عدم التقبل على البذل والافتداء . والعامة على
« تُقُبِّلَ »
مبنيا للمفعول حذف فاعله لعظمته وللعلم به . وقرأ يزيد بن قطيب :
« ما تُقُبِّلَ »
مبنيا للفاعل ، وهو ضمير الباري تبارك وتعالى .
قوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ
مبتدأ وخبره مقدّم عليه . و
« أَلِيمٌ »
صفته بمعنى مؤلم . وهذه الجملة أجازوا فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون حالا ، وفيه ضعف من حيث المعنى .
الثاني : أن تكون في محل رفع عطفا على خبر « أنّ » ، أخبر عن الذين كفروا بخبرين : لو استقر لهم جميع ما في الأرض مع مثله فبذلوه لم يتقبّل منهم ، وأن لهم عذابا أليما .
الثالث : أن تكون معطوفة على الجملة من قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا »
، وعلى هذا فلا محلّ لها لعطفها على ما لا محلّ له .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 37 إلى 38 ]
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 )
وقوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا :
كقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ
« 1 » ، وقد تقدّم . والجمهور على
« أَنْ يَخْرُجُوا »
مبنيا للفاعل ، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي :
« يَخْرُجُوا »
مبنيا للمفعول ، وهما واضحتا التخريج .
قوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ :
قراءة الجمهور بالرفع ، وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة بالنصب ، ونقل عن أبي : « والسّرّق والسّرّقة » بضم السين وفتح الراء مشددتين . قال الخفاف « 2 » : « وجدته في مصحف أبي كذلك » وممّن ضبطهما بما ذكرت أبو عمرو ، إلا أن ابن عطية جعل هذه القراءة تصحيفا فإنه قال : « ويشبه أن يكون هذا تصحيفا من الضابط ، لأنّ قراءة الجماعة إذا كتبت :
« وَالسَّارِقُ »
بغير ألف وافقت في الخط هذه » قلت : ويظهر توجيه هذه القراءة بوجه ظاهر وهو أن السّرّق جمع سارق ، فإنّ فعّلا يطّرد جمعا لفاعل صفة نحو : ضارب وضرّب ، والدليل على أن المراد الجمع قراء عبد اللّه : « والسارقون والسارقات » بصيغتي جمع السلامة ، فدلّ على أن المراد الجمع ، إلا أنه يشكل علينا في هذا شيء وهو أن فعّلا يكون جمع فاعل وفاعلة أيضا ، تقول : « نساء ضرّب » كما تقول :
« رجال ضرّب » ولا يدخلون عليه تاء التأنيث حين يراد به الإناث ، والسّرّقة هنا - كما رأيت - في هذه القراءة بتاء التأنيث
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 28 ) .
( 2 ) إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المكي الخفاف قرأ على أحمد - - البزي قرأ عليه أبو بكر محمد بن عيسى الجصاص .
انظر غاية النهاية ( 1 / 26 ) .