تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
أحدها : أنّ الجملة من قوله :
« لَهُمْ مَغْفِرَةٌ »
بيان للوعد ، كأنه قال : قدّم لهم وعدا ، فقيل : أيّ شيء وعده ؟ فقال : لهم مغفرة وأجر عظيم ، وعلى هذا فلا محلّ لها أيضا ، وهذا أولى من الأول لأن تفسير الملفوظ به أولى من ادّعاء تفسير شيء محذوف . الثاني : أنّ الجملة منصوبة بقول محذوف كأنه قيل : وعدهم وقال لهم مغفرة . الثالث : إجراء الوعد مجرى القول لأنه ضرب منه ، ويجعل
« وَعَدَ »
واقعا على الجملة التي هي قوله :
« لَهُمْ مَغْفِرَةٌ »
كما وقع « تركنا » على قوله :
« سَلامٌ عَلى نُوحٍ »
« 1 » ، كأنه قيل : وعدهم هذا القول ، وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم ، وإجراء الوعد مجرى القول مذهب كوفي . تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا :
مبتدأ ، و
« أُولئِكَ »
مبتدأ ثان ، و
« أَصْحابُ »
خبره ، والجملة خبر الأول ، وهذه الجملة مستأنفة أتي بها اسمية دلالة على الثبوت والاستقرار ، ولم يؤت بها في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد حسما لرجائهم ، وأجاز بعضهم أن تكون هذه الجملة داخلة في حيّز الوعد ، على ما تقدّم تقريره في الجملة قبلها ، قال : « لأنّ الوعيد اللاحق بأعدائهم ممّا يشفي صدورهم ، ويذهب ما كانوا يجدونه من أذاهم ، ولا شك أن الأذى اللاحق للعدوّ ممّا يسرّ ، ويفرح ما عند عدوه » وفيه نظر ، فإنّ الاستئناف واف بهذا المعنى ؛ فإنّ الإنسان إذا سمع خبرا يسوء عدوّه سرّ بذلك ، وإن لم يوعد به ، وقد يتقوّى صاحب هذا القول المتقدم بأن الزمخشري قد نحا إلى هذا المعنى في سورة سبحان « 2 » ، قال : « فإن قلت : علام عطف « وأن الذين لا يؤمنون » ؟ قلت : على
« أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً »
، على أنه بشّر المؤمنين ببشارتين اثنتين : بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، فجعل عقاب أعدائهم داخلا في حيّز البشارة ، فالبشارة هناك كالوعد هنا . وقوله تعالى :
عَلَيْكُمْ :
يجوز أن يتعلّق ب
« نِعْمَتَ »
وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال منها . و
« إِذْ هَمَّ »
ظرف ، ناصبه النعمة أيضا أي : اذكروا نعمته عليكم في وقت همّهم ، ويجوز أن يتعلق هذا الظرف بما تعلق به
« عَلَيْكُمْ »
إذا جعلته حالا من
« نِعْمَتَ »
، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب
« اذْكُرُوا »
لتنافي زمنيهما ، فإنّ
« إِذْ »
للمضي ،
« اذْكُرُوا »
مستقبل . و
« أَنْ يَبْسُطُوا »
على إسقاط الباء أي : همّوا بأن يبسطوا ، ففي موضع
« أَنْ »
الخلاف المشهور . تعالى :
مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً :
« مِنْهُمُ »
يجوز أن يتعلق ب
« بَعَثْنا »
، وأن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من
« اثْنَيْ عَشَرَ »
لأنه في الأصل صفة له ، فلما قدّم نصب حالا . وقد تقدّم الكلام في تركيب
« اثْنَيْ عَشَرَ »
وبنائه وحذف نونه في البقرة « 1 » فأغنى من إعادته . و
« مِيثاقَ »
يجوز أن يكون مضافا إلى المفعول - وهو الظاهر - أي : إن اللّه تعالى واثقهم ، وأن يكون مضافا لفاعله أي : إنهم واثقوه تعالى . والمفاعلة يجوز نسبة الفعل فيها إلى كلّ من المذكورين . والنقيب : فعيل ، قيل : بمعنى فاعل مشتقا من النّقب وهو التفتيش ، ومنه :
فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ
« 3 » وسمّي بذلك لأنه يفتش عن أحوال القوم وأسرارهم . وقيل : هو بمعنى مفعول ، كأن القوم اختاروه على علم منهم وتفتيش على أحواله . وقيل : هو للمبالغة كعليم وخبير .
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآيتان ( 9 ، 10 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 60 ) . ( 3 ) سورة ق ، الآية ( 36 ) .