والثاني : أنه جمع « زبور » في قراءة العامة ، ولكنه على حذف الزوائد ، يعني حذفت الواو منه فصار اللفظ :
زبر ، وهذا التخريج الثاني لأبي عليّ ، قال أبو علي : « كما قالوا : ظريف وظروف ، وكروان وكروان ، وورشان « 1 » وورشان على تقدير حذف الياء والألف » ، وهذا لا بأس به ، فإنّ التكسير والتصغير يجريان غالبا مجرى واحدا ، وقد رأيناهم يصغّرون بحذف الزوائد نحو : « زهير وحميد » في أزهر ومحمود ، ويسميه النحويون « تصغير الترخيم » ، فكذلك التكسير .
الثالث : أنه اسم مفرد وهو مصدر جاء على فعول كالدّخول والقعود والجلوس ، قاله أبو البقاء وغيره . وفيه نظر من حيث إن الفعول يكون مصدرا للازم ، ولا يكون للمتعدي إلا في ألفاظ محفوظة نحو : اللّزوم والنّهوك ، وزبر - كما ترى - متعد ، فيضعف جعل الفعول مصدرا له ، وقد تقدم معنى هذه المادة .
قوله تعالى :
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ :
الجمهور على نصب
« رُسُلًا »
وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على الاشتغال لوجود شروطه ، أي : وقصصنا رسلا ، والمعنى على حذف مضاف أي :
قصصنا أخبارهم ، فيكون
« قَدْ قَصَصْناهُمْ »
لا محلّ له لأنه مفسر لذلك العامل المضمر ، ويقوّي هذا الوجه قراءة أبي : « ورسل » بالرفع في الموضعين ، والنصب هنا أرجح من الرفع ؛ لأن العطف على جملة فعلية وهي :
« وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً »
.
الثاني : أنه منصوب عطفا على معنى
« أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ »
. أي : أرسلنا ونبّأنا نوحا ورسلا ، وعلى هذا فيكون
« قَدْ قَصَصْناهُمْ »
في محل نصب لأنه صفة ل
« رُسُلًا »
.
الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل أي : وأرسلنا رسلا ، وذلك أنّ الآية نزلت رادّة على اليهود في إنكارهم إرسال الرسل وإنزال الوحي ، كما حكى اللّه عنهم في قوله :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
« 2 » والجملة أيضا في محل الصفة .
وقرأ أبي : « ورسل » بالرفع في الموضعين ، وفيه تخريجان :
أظهرهما : أنه مبتدأ وما بعده خبره ، وجاز الابتداء هنا بالنكرة لأحد شيئين : إمّا العطف كقوله :
1685 - عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي * فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا « 3 »
وإما التفصيل كقوله :
1686 - فأقبلت زحفا على الرّكبتين * فثوب لبست وثوب أجرّ « 4 »
وكقوله :
1687 - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشقّ وشقّ عندنا لم يحوّل « 5 »
هامش
( 1 ) الورشان : طائر يشبه الحمام ، والأنثى ورشانة . اللسان :
ورش .
( 2 ) سورة الأنعام ، الآية ( 91 ) .
( 3 ) انظر البيت في المغني ( 2 / 468 ) .
( 4 ) البيت لأمرىء القيس انظر ديوانه ( 70 ) ، الكتاب ( 1 / 86 ) ، المحتسب ( 2 / 142 ) ، المغني ( 524 ) .
( 5 ) تقدم .