والثاني : - وإليه ذهب ابن عطية - أنه ارتفع على خبر ابتداء مضمر أي : وهم رسل ، وهذا غير واضح .
والجملة بعد « رسل » على هذا الوجه تكون في محلّ رفع لوقوعها صفة للنكرة قبلها .
قوله :
وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ
كالأول . وقوله :
« وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى »
الجمهور على رفع الجلالة ، وهي واضحة . و
« تَكْلِيماً »
مصدر مؤكد رافع للمجاز ، وهي مسألة يبحث فيها الأصوليون ، تحتمل كلاما كثيرا ليس هذا موضعه ، على أنه قد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز كقول هند بنت النعمان بن بشير في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان :
1688 - بكى الخزّ من روح وأنكر جلده * وعجّت عجيجا من جذام المطارف « 1 »
تقول : إنّ زوجها روحا قد بكى ثياب الخزّ من لبسه ، لأنه ليس من أهل الخز ، وكذلك صرخت صراخا من جذام - وهي قبيلة روح - ثياب المطارف ، تعني أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب ، فقولها : « عجّت المطارف » مجاز لأن الثياب لا تعجّ ، ثم رشّحته بقولها عجيجا . وقال ثعلب : « لولا التأكيد بالمصدر لجاز أن يكون كما تقول :
« كلّمت لك فلانا » أي : أرسلت إليه ، أو كتبت له رقعة . وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي : « وكلّم اللّه موسى » بنصب الجلالة ، وهي واضحة أيضا .
قوله تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ :
فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه بدل من
« رُسُلًا »
الأول في قراءة الجمهور ، وعبّر الزمخشري عن هذا بنصبه على التكرير ، كذا فهم عنه الشيخ « 2 » .
الثاني : أنه منصوب على الحال الموطئة ، كقولك : « مررت بزيد رجلا صالحا » ، ومعنى الموطئة أي : إنّها ليست مقصودة ، إنما المقصود صفتها ، ألا ترى أن الرجولية مفهومة من قولك « بزيد » وإنما المقصود وصفه بالصلاحية .
الثالث : أنه نصب بإضمار فعل أي : أرسلنا رسلا .
الرابع : أنه منصوب على المدح ، قدّره أبو البقاء ب « أعني » ، وكان ينبغي أن يقدّره فعلا دالا على المدح نحو : « أمدح » ، وقد رجّح الزمخشري هذا الأخير فقال : « والأوجه أن ينتصب
« رُسُلًا »
على المدح » .
:
لِئَلَّا
هذه لام كي ، وتتعلّق ب
« مُنْذِرِينَ »
على المختار عند البصريين ، وب
« مُبَشِّرِينَ »
على المختار عند الكوفيين ، فإن المسألة من التنازع ، ولو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني من غير حذف فكان يقال :
مبشّرين ومنذرين له لئلا ، ولم يقل كذلك فدلّ على مذهب البصريين ، وله في القرآن نظائر تقدّم منها جملة صالحة .
وقيل : اللام تتعلق بمحذوف أي : أرسلناهم لذلك . و
« حُجَّةٌ »
اسم « كان » ، وفي الخبر وجهان :
أحدهما : هو
« عَلَى اللَّهِ »
و
« لِلنَّاسِ »
حال .
والثاني : أن الخبر
« لِلنَّاسِ »
و
« عَلَى اللَّهِ »
حال ، ويجوز أن يتعلق كلّ من الجارّ والمجرور بما تعلّق به الآخر إذا
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 399 ) .